كتب عماد رزق مستشار في الشؤون الامنية


في إسرائيل اليوم مفارقة نادرة.. انتخابات جرت، نتائج صدرت، ديمقراطية معلقة..لا أحد قادر على الحكم. 

ليس لأن الشعب لم يقل كلمته، بل لأن الكلمة التي قالها انقسمت على ثلاث كتل لا تلتقي، وكل واحدة منها تملك حق النقض على الأخرى.

الرقم الذهبي..534819
الأرقام تحكي الحكاية بلا تجميل. معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حصد 53 مقعداً، أي أقل بثمانية مقاعد عن العتبة السحرية: 61. معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت جمع 48 مقعداً. وبينهما، كتلة عربية بـ19 مقعداً، وحريديم ويمين متطرف يرفضون التنازل عن شروطهم. النتيجة؟ لا أغلبية يمينية، ولا أغلبية تغيير، بل ما يسميه المحللون "الجمود متعدد الأقطاب".

ليبرمان..العقبة؟
المفارقة الكبرى ليست في الأرقام، بل في رجل يملك مفتاح الحل ولا يريد استخدامه..أفيغدور ليبرمان. بسبعة مقاعد فقط، يتحول إلى حجر يعطّل كل الحسابات، فهو يرفض الجلوس مع نتنياهو، ويرفض الاعتماد على الأحزاب العربية، ويرفض الشراكة مع الحريديم وفي الوقت نفسه، شرطه الوحيد للانضمام إلى أي حكومة هو أن يكون هو رئيس الوزراء أولاً. 

نعم سبعة نواب قد يشلّون 120.

آيزنكوت والمعادلة المستحيلة

على الضفة الأخرى، يقف آيزنكوت أمام معادلة مستحيلة. يحتاج الأصوات العربية عددياً، لكنه أعلن شروطاً أربعة تُقصي الأحزاب العربية سياسياً. وإذا حاول الالتفاف نحو الحريديم، يصطدم بفيتو ليبرمان وبمطلب "التجنيد للجميع". حتى داخل معسكره، الخلاف مستعر..

بينيت ينتظر دوره، وليبرمان يهاجمه علناً، وحتى اختيار رئيس الكنيست البديل انقسم إلى ثلاثة أسماء.

الأخطر أن هذا الجمود لا يبقى داخل إسرائيل. فالحرب في غزة تُدار ولا تُحسم، لأن وقفها قد يفكك أي ائتلاف. والتطبيع مع السعودية يُعلَّق لا لأنه مرفوض، بل لأن الرياض تشترط تغيير الحكومة الإسرائيلية أولاً. وفي واشنطن، يراقب الديمقراطيون والجمهوريون المشهد بمشاعر متباينة: ترامب يدعم نتنياهو علناً، لكن فصائل في حزبه تتحدث عن "إرهاق" متزايد، بينما يهدد الديمقراطيون بتحويل العلاقة إلى حرب سياسية إذا سيطروا على الكونغرس.

الحرب الإقليمية ..الحل للجميع
يبقى سؤال واحد معلقاً في الهواء: هل تكسر حرب إقليمية هذا الجمود؟ الإجابة المقلقة أنها قد تكون الورقة الوحيدة القادرة على ذلك. ففي لحظة الطوارئ، تتراجع الفيتوهات الحزبية أمام "الحاجة للأمن"، ويتحول نتنياهو من رئيس حكومة عاجز عن تشكيل ائتلاف إلى "قائد المرحلة". لكنها مقامرة عالية المخاطر، قد تُخرجه من المأزق أو تُخرج الجميع إلى نار لا يعرف أحد نهايتها.

إسرائيل اليوم ليست على شفا الفوضى، لكنها عالقة في أزمة تمثيل سياسي لا انهيار دولة. المؤسسات تعمل، الجيش يقاتل، الاقتصاد يصمد. لكن السياسة، تنتظر من يجرؤ على كسر قاعدة واحدة من قواعد اللعبة، أو من تفرض عليه الحرب قراراً لم يستطع البرلمان فرضه.
وحتى ذلك الحين، ستبقى إسرائيل دولة بلا حكومة مستقرة، وديمقراطية بلا أغلبية، بمفتاح لا يريدون فتح بابه.


المصدر : Transparency News