عندما تضيع البوصلة: تفنيد الحملات الشعبوية على قوى الأمن وشعبة المعلومات
منذ 1 ساعة
وإذ يُعتبر حق المواطن في الأمن الكامل مطلباً مشروعاً لا غبار عليه، فإن القراءة الشفافة والعلمية للمشهد تستوجب تفكيك الأسباب والخلفيات بعيداً عن ظاهرة "التعميم الظالم".
في علم الجريمة... الفرق بين "الانتهازية الشارعية" وكفاءة الأجهزة
تُصنّف جرائم النشل السريعة عبر الدراجات النارية في علم الاجتماع الجنائي ضمن ما يُعرف بـ "الجرائم الانتهازية الشارعية" (Opportunistic Street Crimes)، وهي أفعال عابرة لا تخضع لتخطيط ميكانيكي معقد، بل تستغل لحظات غفلة عابرة أو زوايا ميتة في الميدان.
غير أن الخطأ المنهجي الفادح الذي تقترفُه الأصوات الناقدة يكمن في إسقاط هذه الثغرات العابرة على تقييم عمل جهاز استراتيجي وجنائي بحجم "شعبة المعلومات". فوفقاً للمهام المنوطة بها قانوناً ومؤسساتياً في مكافحة الجريمة الجنائية وملاحقة العصابات في العاصمة وسائر المناطق، تُظهر البيانات والأرقام الرسمية الموثقة أن النسبة الساحقة من عصابات النشل والسرقة يتم كشفها وتوقيف أفرادها خلال ساعات أو أيام معدودة بفضل التتبع التقني والاستعلامي الدقيق. فالشفافية تقتضي الاعتراف بأن الأجهزة الأمنية لا تمنع وقوع النوايا الجرمية بالمطلق، بل تلاحق الجناة وتكسر حلقة الإفلات من العقاب بفاعلية عالية.
الإمكانيات المتاحة وإدارة الأزمة بـ "اللحم الحي"
لا يمكن قراءة الأداء الأمني بمعزل عن الواقع المالي واللوجستي المتردي الذي تُعاني منه مؤسسات الدولة كافة. فتراجع الموازنات التشغيلية، وصعوبة صيانة الآليات، ونقص المحروقات، وضغط العمل المتواصل على العناصر والضباط، تشكل عائقاً بنيويياً أمام فرض تغطية شرطية مطلقة لكل زاوية في الشارع على مدار الساعة.
وعلى الرغم من جدران هذه الأزمة السميكة، تقود وزارة الداخلية برئاسة العميد أحمد الحجار مقاربة إدارية تتسم بالواقعية وترشيد القدرات، من خلال إعادة توزيع الدوريات نحو النقاط الأكثر سخونة، والضغط باتجاه تفعيل التنسيق المشترك بين شرطة بيروت وعناصر الشرطة البلدية لردم الهوة الميدانية. إنها إدارة مسؤولة لأزمة وطنية كبرى، وليست ترفاً إدارياً.
ثالثاً: خارج أسوار الأمن... البيئة الحاضنة وثغرات القضاء
لا يتحقق استقرار الشارع لا يتحقق بالقرار الأمني المنفرد. فالجرائم الصغرى ترتبط ارتباطاً طرداً بمؤشرات الفقر والبطالة والتدهور الاجتماعي، وهي ملفات خارجة عن النطاق التنفيذي لوزارة الداخلية. يضاف إلى ذلك الهجس المستمر المرتبط بـ "دوران المفرمة القضائية"، حيث يخرج بعض أصحاب السوابق سريعاً من السجون بفعل الاكتظاظ أو الثغرات القانونية، ليعودوا إلى الشارع ويكرروا أفعالهم، مما يضع القوى الأمنية في حلقة استنزاف دائمة تجهد جهودها المضنية.
المصدر : Transparency News







