سوق النفط يتجاهل تصعيد الشرق الأوسط: كيف هدأت أسعار الخام رغم الحرب الإيرانية الإسرائيلية؟
28-06-2025 11:21 AM GMT+03:00
ورغم الارتفاعات الأولية التي شهدتها الأسعار في بداية الحرب، إلا أن سوق الطاقة أظهر مرونة مفاجئة، حتى مع قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع قبل وقف إطلاق النار يوم الثلاثاء الماضي.
قفزة أولية محدودة واستيعاب سريع للمخاطر
في أول أيام الحرب، وتحديداً يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران، ارتفعت أسعار النفط بنحو خمسة دولارات للبرميل بعد الهجمات الإسرائيلية على إيران، لتتجاوز 70 دولاراً. ومع ذلك، ومع إدراك طبيعة الحرب وعدم تطورها بشكل يهدد الأمن الإقليمي على نطاق أوسع، كانت الارتفاعات التالية أقل حدة.
أشار الكاتب المتخصص في شؤون الطاقة لدى رويترز، رون بوسو، إلى أن "القفزة التي شهدتها أسعار النفط في أعقاب الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على إيران كانت ذات مغزى، ولكنها متواضعة نسبياً بالنظر إلى المخاطر العالية التي ينطوي عليها الصراع بين القوتين المتنافستين في الشرق الأوسط."
مضيق هرمز وتهديدات خفية
لعب عدم لجوء إيران إلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز – الذي يمر منه خُمس الاستهلاك العالمي من النفط – إلا في أواخر أيام الحرب قبل وقف إطلاق النار، دوراً مهماً في السيطرة على ارتفاعات الأسعار. ورغم توقعات بتحذير من بنك باركليز بزيادة سعر خام برنت إلى 85 دولاراً في حال تراجع الصادرات الإيرانية، وإلى أكثر من 100 دولار في أسوأ السيناريوهات (حرب أوسع نطاقاً)، وتحذير غولدمان ساكس من وصول برنت إلى 110 دولارات، إلا أن السوق استوعب هذه المخاطر بحذر.
سلوك "مفاجئ" لتجار النفط
شهدت أسعار النفط انخفاضاً خلال تعاملات أيام محددة من الأسبوع التالي لبداية الحرب، ومع ذلك حقق الخام مكاسب أسبوعية بأكثر من 3%، لتصل أسعار برنت إلى حدود 77.01 دولاراً للبرميل، والخام الأميركي إلى 74.93 دولاراً.
التحول الأبرز حدث خلال العطلة الأسبوعية الأخيرة، بعد الضربات الأميركية على مواقع نووية إيرانية. فرغم أن هذا التدخل كان متوقعاً، إلا أن إعلان الولايات المتحدة اقتصار تدخلها على هذه الضربات، ودعوتها إيران للتفاوض، قد هدأت من المخاوف. وفي المقابل، رغم موافقة البرلمان الإيراني على غلق مضيق هرمز، فإن عدم لجوء طهران إلى تنفيذ هذا الإجراء بشكل سريع ساهم أيضاً في تهدئة المخاوف، على الرغم من انتظار الرد الإيراني على الضربات الأميركية.
وقالت مؤسسة شركة Energy Aspects لتحليلات السوق، أمريتا سين: "كان الجميع يركز على استهداف المضيق. وبمجرد أن اتضح أن هذا لن يحدث، انخفضت علاوة المخاطرة".
مع فتح الأسواق يوم الاثنين (اليوم الأخير قبل وقف إطلاق النار)، ارتفعت أسعار النفط كما كان متوقعاً وتجاوز برنت مستوى 80 دولاراً لفترة قصيرة. لكن المفاجأة كانت في سلوك تجار النفط: فمع بدء إيران إطلاق صواريخها على قاعدة "العديد" الأميركية في قطر، استجاب التجار بسرعة مذهلة ليس بالشراء، بل بالبيع.
خلال سبع دقائق من الإطلاق الأول للصواريخ، بدأ خام برنت في الانخفاض، وفي غضون 20 دقيقة تسارعت الخسائر إلى 3%. وبعد ساعتين، انخفضت العقود الآجلة للخام بنسبة 7.2% لتصل إلى 71.48 دولاراً، وهو أكبر انخفاض يومي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. كما انخفضت العقود الآجلة للخام الأميركي بنحو 5.33 دولار أو 7.22% لتصل إلى 68.51 دولاراً للبرميل.
مصادر المعلومات المفتوحة تغير قواعد اللعبة
السبب وراء هذا السلوك غير المتوقع يعود إلى أن معلومات استخباراتية مفتوحة المصدر (OSINT) ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أعطت المشاركين في السوق ثقةً بالبيع عند حدوث هذا الهجوم. حتى مع لجوء المدنيين في قطر إلى الاحتماء وبث القنوات التلفزيونية صوراً للصواريخ في سماء الدولة الخليجية، كان التجار قد استنتجوا بالفعل أن الهجمات ستخفف التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بدلاً من أن تصعدها.
وقال محلل النفط في مجموعة Onyx Capital، خورخي مونتيبيك: "الأمر كله مُدبّر، نعلم أن القاعدة فارغة. عرفتُ منذ 18 يونيو أن القاعدة فارغة... لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل".
ركز تجار النفط على صور الأقمار الصناعية لقاعدة العديد الجوية في قطر، حيث أظهرت أن الولايات المتحدة سحبت طائرات من القاعدة قبل أيام من ضرباتها الجوية على إيران. استخلص المتداولون أن إطلاق الصواريخ الإيرانية كان رداً رمزياً إلى حد كبير، وأنه من غير المرجح أن تصعد طهران بأكثر من هذا الرد.
كما تزامن ذلك مع التحذير شديد اللهجة الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن أسعار النفط قبل تراجعها يوم الاثنين، معتبراً أن أي ارتفاع فيها يصب في مصلحة "العدو".
تراجع مستمر بعد وقف إطلاق النار
بالفعل، دخل الطرفان الإيراني والإسرائيلي في هدنة منذ يوم الثلاثاء الماضي بعد 12 يوماً من العمليات العسكرية. وشهدت أسعار النفط انخفاضاً إضافياً خلال تعاملات الثلاثاء بنحو 6%، لتصل إلى مستوياتها قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
منذ ذلك الحين، تشهد أسعار النفط ارتفاعات طفيفة مع تحول تركيز السوق من الحرب إلى العوامل الأساسية للقطاع وانخفاض المخزونات الأميركية من النفط والوقود الأسبوع الماضي. وسجل الخامان القياسيان خسائر أسبوعية تقارب 12%، ووصلت العقود الآجلة لبرنت إلى 67.77 دولاراً للبرميل، وعقود الخام الأميركي إلى 65.52 دولاراً.
ختاماً، علق رون بوسو، كاتب العمود في رويترز، بأن استجابة سوق النفط للاضطرابات الكبرى في الشرق الأوسط تراجعت تدريجياً في العقود الأخيرة، مقارنة بما حدث في حرب أكتوبر 1973، أو الغزو العراقي للكويت في 1990، مما يعكس تحولاً في آليات تفاعل السوق مع الأحداث الجيوسياسية.
المصدر : وكالات








