محمد فحيلي - باحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


بعد أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي الأكبر في تاريخ لبنان، يقف البلد اليوم على عتبة تشريعات جديدة، أبرزها "مشروع قانون إصلاح المصارف"، وربما قريباً "قانون الفجوة المالية". لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه: هل يمكن للقوانين وحدها أن تعيد الثقة إلى نظام فقدها بالكامل؟ أم أننا نُراكم أوراقاً فوق حفرة من الإنكار؟

أزمة السيولة التي سُمّيت زورًا أزمة رساميل

منذ اللحظة الأولى للانهيار، ساد خطاب يُحمّل المصارف مسؤولية "ضعف في الرساميل". ولكن الحقيقة، التي يعرفها الجميع ويتفاداها الكثيرون، هي أن المصارف كانت، حسابياً، تتمتع برساميل كافية. ما اختفى فعلياً هو السيولة: الدولارات التي أُودعت لدى مصرف لبنان، وأُنفقت في تمويل العجز، والهندسات المالية، والدعم، والتهريب المنظّم.

هذا التزوير في تشخيص الأزمة لم يكن عفوياً. لقد خدم أهدافاً سياسية ومؤسساتية: إبعاد المسؤولية عن الدولة، وتبرير "قص الودائع" - haircut، وتفادي المحاسبة. وبدلاً من معالجة الجذر، بدأنا نبني إصلاحاً على رواية زائفة.

 

مشروع قانون إصلاح المصارف: خطوة منتظرة لكنها لا تزال تفتقر إلى الجذور الصلبة

بعد طول انتظار، ووسط انسداد الأفق السياسي والمالي، يعود مشروع قانون "إصلاح المصارف" إلى الواجهة كأداة تشريعية يُفترض أن ترسم مسار الخروج من الانهيار. في ظاهره، يشكّل هذا المشروع خطوة تقنية وتنظيمية ضرورية؛ إذ يضع إطاراً قانونياُ يسمح للدولة بتحديد المصارف القابلة للاستمرار، وتلك التي يجب دمجها أو تصفيتها، ويُنظّم آليات معالجة الخسائر وتوزيعها.

لكنّ أي قانون، مهما بدا محكماُ في نصوصه، سيبقى بلا أثر يُذكر إذا لم يُبْنَ على اعتراف واضح بالخسائر، وآلية عادلة وشفافة لتوزيعها، بعيداُ عن الشعبوية والتجاذبات السياسية.

فمشروع القانون، كما أُحيل إلى البرلمان، افتقر إلى الرؤية التنفيذية، وتجنّب الإشارة الصريحة إلى حجم الفجوة المالية وسبل معالجتها. كما أغفل الإطار الزمني، وآليات الاسترداد، والدور المطلوب من الدولة بوصفها الطرف الأساس في إنتاج الأزمة.

وهنا يُسجَّل للجنة المال والموازنة البرلمانية أنها أدخلت تعديلات مهمة على المشروع، أبرزها:

·         فرض إجراء مراجعة مستقلة لجودة أصول المصارف (Asset Quality Reviews – AQR) بإشراف خارجي وشفافية عالية، كشرط إلزامي قبل اتخاذ أي قرار بشأن الرسملة أو التصفية أو إعادة الهيكلة.

·         تحديد هرمي لخسائر المصارف يبدأ بالمساهمين، ثم حملة السندات الثانوية، وصولاً إلى كبار المودعين عند الضرورة، مع حماية كاملة لصغار المودعين وفق سقف توافقي (100 ألف دولار كحد أدنى).

·         إنشاء هيئة مستقلة لإعادة الهيكلة تتمتع بصلاحيات واضحة ومنفصلة عن التأثيرات السياسية، ويُفترض أن تكون خاضعة لرقابة دولية ومحلية.

·         توسيع مفهوم التعويض لكبار المودعين ليشمل أدوات مالية هجينة، كحقوق ملكية في المصارف المعاد هيكلتها، وسندات استرداد طويلة الأجل، مرتبطة بعائدات مستقبلية قابلة للتحقق، مثل عائدات قطاع النفط والغاز، أو أرباح الخصخصة.

·         الاعتراف بحق الدولة في أن تكون طرفاً في عملية تحمل الخسائر، لا سيما أن نسبة كبيرة من الخسائر ناتجة عن توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، وشراء سندات اليوروبوند الحكومية.

رغم هذه التعديلات الإيجابية، يبقى جوهر المشكلة أن القانون، حتى بصيغته المعدلة، لا يُقدّم جواباً مباشراُ على سؤال أساسي: ما حجم الخسائر الحقيقي؟ ومن سيتحمّل كلفتها فعلاً؟

لا يمكن لأي إعادة رسملة أن تكون ذات مصداقية ما لم تُبْنَ على تقييم محاسبي واقعي ومعدّل للأزمة، يأخذ بعين الاعتبار:

·         أن أكثر من 80% من أصول المصارف إما مهدورة أو غير قابلة للاسترداد (سندات متعثرة، توظيفات جامدة في مصرف لبنان، قروض متعثرة).

·         أن القيمة السوقية الفعلية لهذه الأصول، بعد إجراء التخفيضات الواقعية (Haircuts)  تضع معظم المصارف في حالة إعسار كامل أو جزئي.

وبالتالي، فإن الرسملة التي لا تسبقها إعادة تصنيف واقعية وشاملة للمصارف إلى ثلاث فئات (صحيحة، قابلة للإصلاح، غير قابلة للاستمرار) ستكون مجرد محاولة لإعادة تلميع قشرة مهترئة، لن تصمد أمام أول اختبار ثقة من المودعين أو الأسواق أو الشركاء الدوليين.

المشكلة الأعمق أن القانون، كما هو مطروح، قد يطبّق على أرضية سياسية غير مهيأة، وعلى مؤسسات تنظيمية لا تزال تعاني من ضعف الهيبة، وتشابك المصالح، وانعدام الثقة العامة.

إن لم يُقرَن هذا القانون بمناخ من المكاشفة والمساءلة، وإرادة تنفيذية صلبة، ورقابة دولية حازمة، فسيتحوّل من أداة للإصلاح إلى غطاء قانوني لشرعنة الفشل، وتكريس اللامساواة، وتحميل المودعين ثمن سنوات من سوء الإدارة.

باختصار، مشروع قانون إصلاح المصارف خطوة لا بد منها، لكنها لا يمكن أن تكون الخطوة الأولى. البداية يجب أن تكون من الاعتراف بالحقيقة: أن ما نعيشه ليس أزمة مؤقتة بل انهيار شامل، وأن الإنقاذ لا يمرّ بمجرّد تعديلات قانونية، بل بمصارحة وطنية شاملة.

 

قانون الفجوة: إصلاحٌ أم تغطية قانونية لفشل ممنهج؟

في قلب الانهيار المالي اللبناني، تقف "الفجوة المالية"، التي تجاوزت 70 مليار دولار، كشاهد صارخ على فشل مزدوج: فشل في إدارة النظام المالي، وفشل في مواجهته بالحقيقة. هذه الفجوة، التي تمثل الفرق بين ما تملكه المصارف فعلياً وما تدين به للمودعين، ليست رقماً مجرداً، بل نتيجة مباشرة لعقود من سوء الإدارة، والتهرب من المحاسبة، والهندسات المالية التي أفادت السلطة وتكفّل المودعون بكلفتها.

وهنا تبرز إشكالية ما يُعرف بـ"قانون الفجوة"، الذي طُرحت نسخٌ أولية منه في السنوات السابقة، ومن المرجّح أن يعود إلى طاولة التشريع قريباُ. هذا القانون، في جوهره، يسعى لتنظيم توزيع الخسائر. ولكن بدل أن يبدأ بمساءلة الدولة، أو تحميل المساهمين وحاملي السندات العبء الأول، انصبّ التركيز على "توزيع الخسائر على المودعين"، بل وشرعنة اقتطاع جزء من ودائعهم، وكأنها ملكٌ فائضٌ يمكن التصرف به سياسيا.ً

الخطير أن بعض الطروحات الأولية للقانون تجاهلت تماماُ مساهمة الدولة في إنتاج الفجوة. فالدولة، التي راكمت الديون، وأنفقت بلا رقابة، واستفادت من توظيفات المصارف في سنداتها ومصرفها المركزي، تتنصّل اليوم من أي التزام بالمشاركة في تحمّل الخسائر. لا خطة لتخصيص أصول عامة، ولا التزام ببرامج إصلاح مالي حقيقي، ولا نية لربط القانون بمسار إصلاحي شامل. وكأن دور الدولة هو فقط "تنظيم الانسحاب" من الأزمة، لا معالجتها.

لكن الأسوأ من ذلك، هو محاولة البعض إعادة بناء الثقة بالقانون، وليس بالحقيقة. الثقة لا تُستعاد بتشريعات تُمرر تحت عنوان "الإنقاذ"، بل بمصارحة شاملة: أين ذهبت الدولارات؟ من استفاد؟ من هرّب؟ ولماذا غابت الرقابة؟ من دون هذا الاعتراف، لا يمكن أن نطلب من المودع أن يثق بمصرفه، أو من المستثمر أن يعود إلى بلدٍ لا يزال يتجنب قول الحقيقة.

إن قانوناُ عادلاً ومنصفاً يجب أن يبدأ بتحديد تسلسل واضح لتحمل الخسائر: أولاً المساهمون، ثم الدولة بصفتها المستفيدة والمقترضة الأساسية، ثم كبار المودعين إذا لزم الأمر، مع حماية تامة لصغار المودعين، الذين لا يجب أن يدفعوا ثمن أزمة لم يصنعوها.

ولا يُمكن الحديث عن قانون يعيد بناء القطاع دون منظومة متكاملة تحيط به، تشمل:

1.      إعلاناُ رسمياً مشتركاُ من الدولة ومصرف لبنان يعترف صراحةً بطبيعة الأزمة كأزمة سيولة، وليست مجرد خلل في الرساميل.

2.      تشكيل هيئة وطنية مستقلة لإعادة الهيكلة، بعيدة عن النفوذ السياسي، تخضع لرقابة دولية، وتتمتع بصلاحيات كاملة لتصنيف المصارف، واتخاذ قرارات الدمج أو التصفية أو الإنقاذ.

3.      إطلاق صندوق وطني لاسترداد الودائع (DRF)، يُمول من مصادر مستقبلية واقعية (عائدات النفط والغاز، برامج الخصخصة، الأرباح المستقبلية للمصارف المعاد هيكلتها).

4.      اعتماد أدوات تعويض هجينة لكبار المودعين (أسهم في مصارف نظيفة، سندات مشروطة بالعائد، أدوات دين طويلة الأجل)، تحفظ الحد الأدنى من العدالة وتحول دون تشريع النهب المقونن.

5.      ربط أي قانون لإصلاح المصارف،لإعادة الهيكلة أو توزيع الخسائر برقابة دولية ملزمة، من قبل صندوق النقد أو الاتحاد الأوروبي، تضمن الشفافية، وتمنع التلاعب، وتراقب التنفيذ خطوة بخطوة.

في النهاية، لا يكفي أن نقرّ القوانين. ما نحتاجه هو جرأة قول الحقيقة. فالقانون بلا عدالة يصبح أداة لإنتاج ظلم جديد. والخروج من الانهيار لا يبدأ من قاعة البرلمان، بل من لحظة مصارحة وطنية تقرّ بما حصل، وتعلن من المسؤول، وتوضح من سيدفع، ولماذا.

لبنان لا يحتاج إلى هندسات قانونية جديدة، بل إلى هندسة أخلاقية وسياسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتؤسس لنظام مصرفي شفاف، عادل، وقادر على استعادة الثقة المهدورة.

هل لدينا هذه الإرادة؟ أم أننا نُعدّ لجولة جديدة من "الإصلاح الورقي"؟

 هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News