منذ عام 2002، يمسك كمال حايك بمقاليد مؤسسة كهرباء لبنان كمدير عام ورئيس مجلس إدارة، في واحدة من أطول الولايات الإدارية في تاريخ المؤسسات العامة اللبنانية. ثلاثة وعشرون عامًا من السيطرة على مفاتيح الشبكة، من دون أن تشهد البلاد يومًا كهرباء مستقرة.


 خلال هذه الفترة، سجلت المؤسسة إخفاقات متكررة: عجز مالي مزمن، هدر مليارات الدولارات على عقود إنتاج وصيانة غير منتجة، وشبكات متهالكة لم يتم تحديثها. ومع كل ذلك، بقي حايك في موقعه، محصنًا من التغيير أو المحاسبة، وكأن الأداء الرديء أصبح أمرًا عاديًا.

مسؤولية مشتركة… لكن العامل الثابت هو حايك

لا شك أن مسؤولية تهالك قطاع الكهرباء في لبنان خلال العقود الماضية تقع على السلطة السياسية والوزراء المتعاقبين، الذين أهملوا الإصلاح الجذري وتغاضوا عن معالجة العجز البنيوي. لكن العامل المشترك في العقدين الأخيرين كان كمال حايك نفسه، الذي تماهى مع الواقع السياسي واستمر في موقعه، أقله كشاهد على الانهيار… أو شاهد، كي لا نقول مشارك، في ترك الأمور تتدهور عامًا بعد عام.

صيف 2025… الأعطال تكشف هشاشة إدارة حايك

شهر آب، المعروف بارتفاع درجات الحرارة إلى ذروتها، ليس حدثًا مفاجئًا. ارتفاع الحرارة يعني زيادة الاستهلاك، وزيادة الاستهلاك تعني ضرورة زيادة الإنتاج. لكن بحسب الخبراء، الأمر لا يتوقف عند الطلب فقط، بل هناك حاجة إلى حد أدنى من الإنتاج الإضافي في الطقس الحار لضمان استقرار الشبكة، لأن الهامش الاحتياطي المطلوب في الصيف أعلى بكثير مما هو في الشتاء. وهذه السنة، أظهرت الأعطال التقنية في عز موجة الحر والرطوبة العالية ضآلة الهامش الاحتياطي وقدرة التحمّل في الذروة، ما يعكس مباشرة ضعف إدارة حايك واستعداده للموسم.

أسبوع من العتمة… وأين كان حايك؟

في الأسبوع الماضي وحده، عانت مناطق واسعة من لبنان من انقطاعات متكررة في التغذية، وصلت في بعض الأحياء إلى أكثر من 10 ساعات يوميًا من العتمة، تتخللها فترات قصيرة من التغذية المتقطعة وغير المستقرة. هذه الانقطاعات أربكت المصانع، أوقفت المصاعد، عطلت المضخات، ودفعت العائلات إلى الاعتماد الكامل على المولدات الخاصة بأسعار خيالية. والأسوأ أن ذلك يحدث في عز آب، حيث الحرارة والرطوبة في ذروتهما، ما يجعل انقطاع الكهرباء ليس مجرد إزعاج بل تهديدًا مباشرًا لراحة وصحة الناس. فهل كان حايك غائبًا عن المشهد أم أنه اختار الصمت؟

تاريخ طويل من الأزمات… تحت الإدارة نفسها

إذا كان البعض يحاول تقديم ما جرى هذا الصيف على أنه ظرف استثنائي، فالتاريخ القريب يفضح هذه الرواية. الانقطاعات الصيفية نمطٌ متكرر منذ ما قبل 2010، يتفاقم مع الموجات الحارة وذروة الطلب، ويُعالج غالبًا بحلول إسعافية بدل التخطيط المسبق. ففي صيف 2010، وثقت تقارير دولية صورًا من بيروت تُظهر انقطاعات مزمنة رغم ما وُصف وقتها بـ”طفرة” اقتصادية نسبية. وفي 2012، تكرر المشهد بعنوان “صيف معتم” مع التحذيرات نفسها والنتيجة نفسها. حتى في 2024، جاءت تحذيرات مبكرة من كلفة موجات الحر على اللبنانيين مع هشاشة التغذية الرسمية، ما يعني أن الضغط الصيفي على الشبكة كان متوقعًا، لا مفاجئًا.

أسئلة مشروعة… وإجابات غائبة من حايك

ماذا كان يفعل كمال حايك طوال 23 سنة في إدارة كهرباء لبنان إذا كان عاجزًا عن الاستعداد لصيف معروف سلفًا بشدّة الضغط على الشبكة؟ لماذا لم يطلب الفيول الإضافي رغم توفر العقود والأموال؟ لماذا لم يرفع القدرة الإنتاجية قبل الذروة؟

حان وقت المساءلة والمحاسبة

إذا كانت حكومة الإصلاح ترفع شعار المحاسبة، فالمحاسبة الحقيقية تبدأ من رأس مؤسسة كهرباء لبنان. فالإدارة ليست لقبًا ولا منصبًا، بل مسؤولية مباشرة. وكمال حايك هو المسؤول الأول عن إدارة الشبكة، وهو من يعرف تمامًا أن أزمة آب ليست مفاجأة، ومع ذلك تركها تنفجر في وجه اللبنانيين كما في كل صيف. آن الأوان أن يتحمل المسؤولية أمام الناس، وأن تُفتح ملفات الأداء والمحاسبة على مصراعيها، حتى لا يبقى الفشل مزمنًا والعتمة قدرًا.


المصدر : Transparency News