“لا شيء يعجبني”.. على طريقة صاحب القول الشاعر محمود درويش
19-02-2026 09:52 PM GMT+02:00
من ثورة الستة سنت إلى عهد الـ300 ألف ليرة
حين تكبر الأرقام… ويصغر الاعتراض
“لا شيء يعجبني”، كتب محمود درويش في لحظة ضيق وجودي، لكن العبارة اليوم تبدو توصيفاً دقيقاً لمشهد سياسي كامل. لا شيء يعجب الناس: لا الأسعار، ولا التبريرات، ولا آلية العمل التي تتكرر في كل حكومة حتى لو تبدّلت الوجوه. ومع ذلك، يمضي كل شيء كأنه طبيعي.
من الستة سنت إلى موجة الزيادات الحالية، تغيّر الرقم ولم يتغيّر المنطق. يومها اشتعل الشارع لأن الإحساس كان أكبر من الضريبة نفسها. كان الشعور بأن القرار يُتخذ من فوق، وأن المواطن يُستدعى فقط ليدفع. اليوم، الأرقام أثقل بكثير، لكن الغضب أخفّ بكثير أيضاً. كأن الاعتراض نفسه أصابه تضخّم معاكس.
الشرارة لم تكن يوماً قيمة مالية محدودة، بل فكرة أن الدولة تتعامل مع الناس بوصفهم خزينة احتياط. المشكلة لم تكن في ضريبة صغيرة ولا في زيادة كبيرة. المشكلة في مسار ثابت: قرار يُتخذ داخل مجلس الوزراء، ثم تبدأ فصول التبرير والتنصّل.
الحكومة التي اجتمعت وأقرّت، هي نفسها التي خرج بعض وزرائها ليعلنوا الاستياء. هذا يعترض، ذاك “لم يكن مقتنعاً بالكامل”، وآخر يحمّل المسؤولية للظروف أو للشركاء. كأن السلطة تحكم جماعياً… وتعتذر فردياً.
قرار جماعي ولكن الاعتذار فردي وهنا بيت القصيد
العهد الذي قيل إنه فرصة لإعادة ضبط المؤسسات يواجه اختباره الحقيقي هنا. ليس في الشعارات، ولا فقط في قرارات كبرى مثل حصر السلاح، بل في تحمّل القرار الذي يُلقى في كل مرة على كاهل المواطن. الحكم لا يعني إدارة التوازنات فقط، بل تحمّل كلفة الخيارات. أما أن يصبح الخطاب السياسي قائماً على جملة واحدة — “ما خصّني” — فهذه ليست إدارة أزمة، بل تأجيل دائم للمساءلة.
وهنا يطرح سؤال مباشر على رئيس الحكومة نواف سلام. حين يُقال إن الزيادة رُفعت عن المازوت ووُضعت على البنزين، وكأن الأمر مجرد عملية نقل تقنية بين بندين، يصبح السؤال أبسط: المازوت للتدفئة، نعم. لكن البنزين ليس كماليات. البنزين هو وسيلة الناس للوصول إلى أعمالهم. هو كلفة السيرفيس، وكلفة الطريق، وكلفة السعي إلى لقمة العيش.
حين تضيف عبئاً إضافياً على موظف راتبه بالكاد يغطي نصف حاجاته، ثم تزيد عليه كلفة الوصول إلى عمله، فأنت لا تعالج أزمة. أنت تضغط على الحلقة الأضعف. الفرق بين المازوت والبنزين ليس فرق أرقام، بل فرق أثر اجتماعي. نقل العبء من هنا إلى هناك لا يجعله أخفّ، بل قد يجعله أقسى.
وهذه ليست أول محطة إرباك. من نقاش الفجوة المالية، إلى التخبط في الموازنة، إلى أزمة رواتب العسكريين التي وصلت إلى حد التظاهر واقتحام مجلس النواب، تتكرّر صورة إدارة تلاحق الأزمة بدل أن تسبقها. المسألة لم تعد خطأ عابراً، بل نمط قرار لا يقرأ انعكاساته كاملة.
إذا كان هذا الأسلوب خياراً، فالمشكلة في الخيار. وإذا كان نتيجة سوء تقدير، فالمشكلة أكبر. وفي الحالتين، الكلفة لا تُدفع في السراي… بل في الشارع.
وفي كل مرة تُستخدم فيها عبارة “ليس من صلاحياتي”، يضيق الهامش أكثر أمام الناس. إذا كانت الصلاحيات ناقصة لدى الجميع، فمن يملكها كاملة؟ إذا كان القرار “مفروضاً”، فمن الذي يفرضه؟ وإذا كانت الحكومة شريكاً كاملاً في ٦اتخاذه، فلماذا لا تكون شريكاً كاملاً في الدفاع عنه؟
الزيادة على المحروقات لا تبقى في إطارها الضيق. هي تتحوّل تلقائياً إلى ارتفاع في النقل، في السلع، في الخدمات، في كلفة الحياة اليومية. الاقتصاد اللبناني هشّ إلى درجة أن أي تعديل في الأعلى يرتدّ مباشرة على الأسفل. لكن الأخطر من الانعكاس المالي هو الانعكاس النفسي. الناس لم تعد فقط تحسب المصروف، بل تحسب قدرتها على الاحتمال.
الفقر هنا لم يعد رقماً في تقرير. هو شعور يومي بعدم الأمان. أن تؤجّل، أن تقلّص، أن تتأقلم. ومع كل قرار جديد، يتعمّق الإحساس بأن الصوت الفردي لا يغيّر شيئاً، وأن الاعتراض صار موسمياً، بينما القرارات دائمة.
لكن هل المسؤولية تقع على السلطة وحدها؟
ثمة سؤال لا يمكن تجاهله. كلما مرّ قرار من دون محاسبة جدية، يصبح القرار التالي أسهل. وكلما اكتفى المجتمع بالتذمّر الصامت، تتكرّس سابقة جديدة. الاعتياد أخطر من الغلاء نفسه. حين يتحوّل ما كان مرفوضاً إلى أمر واقع، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو قبول ما هو أسوأ.
هذا ليس تحريضاً، ولا دعوة إلى فوضى. بل دعوة إلى وعي. إلى قراءة المشهد كما هو، لا كما يُسوّق لنا. إلى أن نسأل قبل أي استحقاق انتخابي: من كان في موقع القرار؟ من صوّت؟ من اعترض فعلياً؟ من تحمّل مسؤولية شرحه أمام الناس؟
الانتخابات ليست مناسبة للاصطفاف العاطفي، بل لحظة تقييم بارد. إذا بقي معيار الاختيار هو الخطاب لا الفعل، فستبقى الدائرة مغلقة. سنعود بعد سنوات لنقول الجملة نفسها.
من الستة سنت إلى موجة الزيادات الحالية، تغيّر حجم الأرقام، لكن المعادلة لم تتغيّر: قرار في الأعلى، كلفة في الأسفل، وجدال في المنتصف. ما ينقص ليس خطاباً أعلى، بل مسؤولية أوضح. وما ينقص أيضاً ليس غضباً عابراً، بل وعي مستمر.
ربما السؤال اليوم أبسط مما نعتقد:
هل نريد أن يبقى ما يحدث طبيعياً؟
الوعي ليس ترفاً، بل شرطاً أولياً لأي تغيير حقيقي. أن نفهم أين نقف، من يقرر باسمنا، وكيف نحاسبه. لأن البلد لا يسير إلى الأمام بالشعارات، بل بخيارات واضحة.
وإن لم نطرح الأسئلة الآن، سنعود لنكرر العبارة نفسها… مرة أخرى:
لا شيء يعجبني.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








