يوسف يونس


منذ أن تسلّم كمال شحادة وزارة المهجرين في 8 شباط 2025، دخل إلى واحدة من أكثر الحقائب اللبنانية إثارة للريبة السياسية والمالية، لا لأنها وزارة فاعلة اليوم، بل لأنها تكاد تكون مثالًا حيًا على مؤسسة استُنزفت عليها الأموال لعقود فيما بقي الملف نفسه مفتوحًا، وبقيت الأسئلة الكبرى بلا جواب: كم صُرف فعلًا؟ من قبض؟ من دقّق؟ ومن قرر أن تبقى هذه الوزارة حيّة بعد أكثر من ثلاثين عامًا على نهاية الحرب؟  

الواقع أن وزارة المهجرين لم تعد، منذ سنوات طويلة، وزارة إنتاج بقدر ما تحوّلت إلى عبء إداري وسياسي، فيما يُجمع كثيرون على أن مهمتها الأساسية كانت قد شارفت على نهايتها منذ زمن. حتى التقارير التي استندت إلى “الدولية للمعلومات” تشير إلى أن عمل الصندوق المركزي للمهجرين، كما عمل الوزارة، أصبح شبه متوقف منذ عام 2007، بسبب اكتمال عودة القسم الأكبر من المهجرين من جهة، وعدم توافر الأموال لمعالجة ما تبقّى من ملفات من جهة أخرى. ومع ذلك، بقيت الوزارة والصندوق قائمين، واستمرت الموازنات التشغيلية والرواتب والنفقات الجارية.  

الأخطر أن الرقم الموثق الأكثر تداولًا عن الإنفاق ليس رقمًا صغيرًا على الإطلاق. فوفق جردة منشورة استنادًا إلى “الدولية للمعلومات”، أنفق الصندوق المركزي للمهجرين منذ إنشائه بموجب القانون 193/1993 وحتى عام 2024 نحو 3 مليارات دولار، مع الإشارة الصريحة إلى أن هذا الإنفاق شابه “هدر ضخم” وتجاوز المبالغ المرصودة له. هذا الرقم يتعلّق بالصندوق وحده، لا بكل الكلفة الإدارية والسياسية المتصلة بالوزارة عبر العقود، ما يعني أن الكلفة الفعلية الأوسع للملف قد تكون أعلى، لكنّ الرقم الموثق المتاح بوضوح حتى الآن هو هذا السقف: نحو 3 مليارات دولار للصندوق المركزي وحده.  

المفارقة الفاضحة أن الدولة بدأت أصلًا من تقدير مختلف تمامًا. ففي مطلع التسعينيات، وبعد اتفاق الطائف، كان الحديث عن 300 مليون دولار لمعالجة المشكلة وإقفال الملف. ثم مرّت السنوات، وتضخّمت الاعتمادات، وتعددت الخطط، وبقيت النهاية مؤجلة. وفي عام 2019، عاد الملف إلى الواجهة حين طُرح منح الصندوق 40 مليار ليرة كدفعة أولى من أصل حاجة معلنة بلغت 600 مليار ليرة، أي ما كان يوازي آنذاك نحو 400 مليون دولار لإقفال الملف. ثم في مطلع 2026 عاد الحديث الرسمي نفسه ولكن برقم جديد أقل بكثير: نحو 30 مليون دولار فقط قيل إنها قد تكفي لاستكمال التعويضات المتبقية وختم الملف. هذه الفجوة بين 300 مليون في البداية، و3 مليارات إنفاقًا متراكمًا، و400 مليون مطلوبة في 2019، ثم 30 مليونًا متبقية كما قيل في 2025-2026، ليست تفصيلاً تقنيًا؛ إنها وحدها تستحق تدقيقًا جنائيًا وإداريًا كاملًا.  

ولا يقتصر الأمر على الأرقام المتضاربة. فحتى في الموازنات الحديثة، يظهر أن الإنفاق بات موجّهًا إلى البقاء الإداري لا إلى إنهاء الملف. فبحسب الجردة نفسها، بلغت موازنة الصندوق في مشروع موازنة 2024 نحو 22.9 مليار ليرة، توزّعت أساسًا بين 14.1 مليار ليرة للرواتب والأجور و8.8 مليارات ليرة للنفقات الجارية، من دون رصد أموال فعلية لاستكمال إعادة أو إسكان ما تبقّى من المهجرين. أي أن المؤسسة التي أُنشئت لمعالجة جرح وطني تحوّلت، في صيغتها المتأخرة، إلى جهاز يصرف على نفسه أكثر مما يصرف على الغاية التي أُنشئ من أجلها.  

هذا ما يجعل المسؤولية اليوم مضاعفة على الوزير الحالي. صحيح أن كمال شحادة لم يصنع هذا الإرث، وصحيح أنه ورث وزارة تكاد تكون من بقايا دولة ما بعد الحرب، لكن الصحيح أيضًا أنه لم يعد يملك ترف الاكتفاء بدور المراقب. الرجل نفسه أعلن أكثر من مرة أن الهدف هو إقفال الوزارة ضمن مسار إصلاحي، وتحدث عن فترة انتقالية تنتهي خلال ثلاث سنوات، كما طالب برصد 30 مليون دولار في موازنة 2026 للبدء بدفع التعويضات للمستحقين تمهيدًا لإقفال الملف نهائيًا. كما أشار خلال زيارة للصندوق إلى وجود أكثر من 800 ألف ملف تم جمعها على مدى عقود ويجري العمل على أرشفتها. كل هذا جيد من حيث الشكل، لكنه لا يكفي ما لم يُستكمل بالسؤال الذي تهربت منه الدولة طويلًا: ماذا جرى بكل ما صُرف سابقًا؟  

حتى مجلس النواب بدأ يرفع النبرة. ففي كانون الأول 2025، قال رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان إنه “لا يجوز بعد ما يقارب الأربعين عامًا أن يستمر الحديث عن صندوق مهجرين ووزارة للمهجرين، وترصد اعتمادات لهما والملف لم يقفل”، معلنًا أن اللجنة سألت عن الكلفة الإجمالية لإقفال الملف وإلغاء الوزارة والصندوق، وعن أسباب عدم القيام بذلك، ومشيرًا إلى أن هناك “إنفاقًا كبيرًا” حصل في هذا الصندوق “من دون التدقيق والمتابعة بالتنفيذ”. كما أوضح أن اللجنة طلبت كتابًا مفصلًا يحدد المبالغ المتبقية، والتي قد تصل إلى 30 مليون دولار كما فُهم من الوزير. حين يصل الكلام إلى هذا المستوى من داخل البرلمان نفسه، فهذا يعني أن الشبهة لم تعد مادة صحافية أو انطباعًا سياسيًا، بل صارت مسألة رقابية موثقة على الطاولة.  

من هنا، فإن المطلوب من كمال شحادة ليس فقط أن يقفل وزارة المهجرين، بل أن يحوّلها قبل إقفالها إلى ملف محاسبة وطنية. المطلوب منه، وبصراحة، أن يضع يده على واحدة من أقدم مزاريب الهدر المقنّع في الدولة اللبنانية. أن ينشر كشفًا عامًا ومفصلًا: كم دخل إلى الوزارة والصندوق منذ التسعينيات؟ كم صُرف سنويًا؟ كم بلغ حجم التعويضات الفعلية؟ كم بلغت الكلفة الإدارية؟ ما هي القرى التي أُقفلت ملفاتها وما هي القرى التي بقيت عالقة؟ من هم المتعهدون والوسطاء والمستفيدون؟ وما هي الملفات التي تستدعي إحالتها إلى التفتيش المركزي، وديوان المحاسبة، والنيابة العامة المالية؟ المعركة الحقيقية هنا ليست في إدارة الاحتضار البطيء للوزارة، بل في تشريحها قبل دفنها.  

ذلك أن إقفال الوزارة بلا تدقيق شامل سيعني ببساطة طيّ صفحة فساد محتمل من دون محاسبة. أما إقفالها بعد جردة كاملة، وتوثيق، وتحديد مسؤوليات، وإحالة ما يلزم إلى القضاء، فسيحوّل هذه الحقيبة من عبء عديم الجدوى إلى فرصة نادرة لكشف كيف كانت تُدار الدولة اللبنانية طوال العقود الماضية: وزارة وُلدت تحت عنوان إنساني ووطني، ثم تحوّلت مع الوقت إلى عنوان مزمن للهدر، والزبائنية، والإرجاء المتعمد. بعد أكثر من ثلاثين سنة، لم يعد السؤال لماذا يجب إقفال وزارة المهجرين؛ السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تُفتح دفاترها كاملة حتى الآن؟

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News