نقمة في الشوف وعاليه على "المنظومة".. لماذا بات القضاآن خارج الإنماء ومن يفرض "الخوات" على رجال الأعمال؟
02-05-2026 02:48 PM GMT+03:00
الأرقام تكشف الفارق. ففي مسح العمل والظروف المعيشية 2018-2019، سجّل المتن أدنى معدل بطالة في لبنان عند 7.1%، بينما جاء الشوف عند 16.5% وعاليه عند 14.4%، أي أن البطالة في الشوف تتجاوز المتن بأكثر من الضعف تقريباً. كما أن كسروان سجّلت 10.1% وجبيل 11.6% وصيدا 14.3%، ما يضع الشوف وعاليه ضمن المناطق الأكثر ضغطاً في سوق العمل مقارنة بمناطق جبل لبنان الأكثر تحرراً اقتصادياً.
ليست المسألة نقصاً في الجغرافيا ولا في المقومات. الشوف يملك طبيعة وسياحة وتراثاً وبيوتاً تاريخية، وعاليه كانت تاريخياً مصيفاً ومركزاً اقتصادياً حيوياً. لكن المشكلة أن الحياة الاقتصادية خُنقت بمنطق السيطرة. حين تتحول المنطقة إلى اقتصاد شخصي تابع للنفوذ الحزبي، وحين يصبح القطاع العام أداة محاصصة، وحين يشعر المستثمر أو صاحب المشروع بأنه أمام ابتزاز أو مشاركة قسرية أو «خوّة» مقنّعة، فالنتيجة الطبيعية هي هروب الرساميل، إقفال المؤسسات، وترك الناس لأرضهم بحثاً عن فرصة في المتن أو كسروان أو جبيل أو بيروت أو حتى خارج لبنان.
الأخطر أن البنية التحتية نفسها تعكس هذا التفاوت. دراسة صادرة عن LCPS تربط بوضوح بين ضعف البنية التحتية وضعف النشاط الاقتصادي، وتؤكد أن الاستثمار العام في المناطق يرفع النمو ويربط الأسواق ويزيد عائد القطاع الخاص. وفي مؤشر البنية التحتية للمناطق اللبنانية، تظهر عاليه والشوف في مستويات أدنى من المتن وكسروان وجبيل، ما يعكس فجوة إنمائية داخل جبل لبنان نفسه.
أما في الصحة والتعليم، فالمشهد لا يقل قسوة. الدولة تعترف عملياً بأن الخدمات العامة في لبنان تعاني فجوات واسعة، وأن الصحة والتعليم باتا شديدي الخصخصة، مع تفاوت كبير في النوعية، فيما لا تتجاوز نسبة التلامذة في المدارس الرسمية 28% وفق الدراسة نفسها.  وهذا يعني أن المناطق التي لا تمتلك اقتصاداً قوياً ولا قطاعاً خاصاً متيناً تُترك وحدها أمام كلفة التعليم والاستشفاء.
الشوف وعاليه لا يحتاجان إلى خطابات موسمية ولا إلى شعارات عن الحرمان. يحتاجان إلى كسر منظومة الاحتكار الحزبي للاقتصاد المحلي، فتح الباب أمام الاستثمار الحر، حماية أصحاب المشاريع من الابتزاز، تأهيل المدارس، دعم المستشفيات، وإعادة ربط القضاءين بالاقتصاد الوطني.
لقد خُطفت الحياة من الناس باسم الزعامة. وسُرقت حقوقهم باسم التمثيل. وحُوّلت مناطق كاملة إلى ساحات ولاء بدل أن تكون مساحات إنتاج. لذلك لم تعد المشكلة إنمائية فقط، بل سياسية أيضاً: من يريد إنقاذ الشوف وعاليه عليه أولاً أن يحررهما من اقتصاد المحاصصة والخوف.
المصدر : Transparency News








