لعبة الأجنحة في طهران: كيف يدير "قاليباف" والجنرالات صراع النفوذ فوق ركام الاقتصاد؟
05-05-2026 04:42 PM GMT+03:00
لكن الأزمة الحقيقية، كما يراها المراقبون، تكمن في "حرب الأجنحة" داخل غرف القرار؛ حيث يتصادم تيار سياسي-أمني يقوده محمد باقر قاليباف مع قيادة الحرس الثوري. هذا النزاع ليس على مبدأ الحرب، بل على تقاسم نفوذ "ثمار التصعيد" وتحديد سقف التكاليف.
لم يكن الخلاف، في جوهره، بين من أراد السلام ومن أراد الحرب، بل بين أجنحة رأت في التصعيد وسيلة لترميم النفوذ وتثبيت المواقع داخل النظام. الساسة حاولوا استثمار الأزمة سياسيا، والحرس تعامل معها كاختبار للردع والهيبة، والمتشددون جعلوا أي تراجع مرادفا للهزيمة. وهكذا تحولت الدولة إلى رهينة معادلة قاتلة: قرار موزع، كلفة مؤجلة، وشعب يُطلب منه الصمود فوق ركام خيارات لم يصنعها.
وتقول "رويترز" إن الحرب دفعت السلطة عمليا إلى دائرة أضيق وأكثر تشددا، تتمحور حول مجلس الأمن القومي ومكتب المرشد والحرس الثوري، مع توسع نفوذ الحرس في الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الكبرى. وبذلك، لم تعد إيران تتحرك بعقل دولة توازن بين الحرب والاقتصاد والمجتمع، بل بمنطق جهاز أمني يرى في الصمود غاية، ولو كان فوق ركام المدن والمصانع.
والأرقام أشد قسوة من الخطاب. فقد قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التصعيد قد يخفض نمو الناتج المحلي الحقيقي في إيران بما بين 8.8 و10.4 نقطة مئوية مقارنة بسيناريو عدم الحرب، وأن يدفع ما بين 3.5 و4.1 مليون إيراني إضافي إلى الفقر، فوق واقع سابق كان فيه نحو 36.3 بالمئة من السكان، أي قرابة 32.7 مليون شخص، يعيشون تحت خط 8.3 دولارات يوميًا.
وفي الشارع، لم يعد الانهيار رقما في تقرير دولي. الريال هبط إلى مستوى قياسي بلغ 1,810,000 ريال للدولار، متراجعا نحو 15بالمئة في يومين، بينما بلغ التضخم السنوي 65.8 بالمئة، بعد عام فقدت فيه العملة نحو 70 بالمئة من قيمتها. هذه ليست أزمة سعر صرف فقط، بل انهيار ثقة حين يتحول الراتب إلى ورقة تذوب قبل أن تصل إلى السوق.
وتحت هذا الضغط، تغيرت وظيفة المواطن من العيش إلى النجاة. "رويترز" نقلت أن أسعارا ارتفعت في بعض الحالات بنحو 40 بالمئة منذ بدء الحرب، وأن مصانع ومحطات كهرباء وسكك حديد ومطارات وجسورا تعرضت للتدمير، فيما تبخرت آلاف الوظائف وانقطعت سلاسل إنتاج.
أما النفط، ورقة طهران الأثمن، فتحول إلى نقطة اختناق مع ضغط الحصار واضطراب الشحن، في مشهد يلخص مأساة دولة تمتلك موردا ضخما ولا تستطيع بيعه كما تريد.
ولم تقف الكلفة عند المال. فمع اتساع الخسائر، لم تنتج السلطة مراجعة سياسية، بل مزيدا من التشدد، لأن كل جناح يخشى أن يدفع وحده ثمن الاعتراف بالفشل. وهكذا ترجمت معارك القمة إلى خوف في القاعدة: عائلات تبحث عن الأمان، عمال يفقدون وظائفهم، وأسواق تتعامل مع كل يوم باعتباره أزمة جديدة.
خارجيا، تبدو العزلة أعمق لأنها وصلت إلى الجوار لا الغرب فقط. فإيران التي اعتمدت طويلا على قنوات تجارة وتنفس اقتصادي عبر محيطها، وجدت نفسها أمام خليج أكثر تشددا في حساباته، بعدما خلقت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وفق مسؤول إماراتي نقلت عنه رويترز، "فجوة ثقة ضخمة" قد تستمر لعقود.
والحرس الثوري هو الآخر كان حاضرا بقوة في أزمة "القرار الإيراني"، إذ اعتبر عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن "الحرس شدد قبضته على القرار في زمن الحرب، ما دفع موقف طهران التفاوضي إلى مزيد من التصلب ورفض أي تسوية، ولذلك فإن الحرس يستخدم ذراعي النظام معا في هذه المرحلة؛ فمن جهة يعرقل ويشدد ويرفع السقف، ومن جهة أخرى لا يغلق باب التفاوض نهائيا".
وأكد أن "الحرس خرج من الحرب بعد وقف إطلاق النار وهو يشعر بأن صورته تعرضت لهزة كبيرة، لذلك، يحاول تعويض ما أصابه عسكرياً وأمنياً بمزيد من التشدد السياسي والإمساك بمفاصل القرار، إلى جانب تصاعد دعوات المتشددين إلى مواقف أكثر تطرفا بعد الحرب، تعكس بوضوح أن الحرس يتصرف بعقلية إدارة أزمة بقاء".
وعلى هذا النحو، قالت الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الدولية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "طهران تسعى في هذه المرحلة للحفاظ على ماء وجهها، مع عدم إيلاء اهتمام يذكر للأوضاع الداخلية، إذ تركز طهران على صيغة تخفف الضغوط المفروضة عليها من دون أن تبدو وكأنها قدمت تنازلا أو رضخت لاستسلام استراتيجي".
المصدر : وكالات








