تناقض حزب الله: كيف تحوّل «الميكانيزم» من فشل إلى مطلب؟
06-05-2026 01:09 PM GMT+03:00
في السياسة، لا تكمن الإشكالية دائماً في تبدّل المواقف، بل في غياب تفسيرٍ مقنع لهذا التبدّل. وهذا تحديداً ما ينطبق على موقف «حزب الله» وقوى الممانعة في لبنان من مسار التفاوض، بين رفضٍ قاطع للمباشر، وتقلّبٍ لافت في النظرة إلى غير المباشر.
منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، رفع الحزب سقف اعتراضه، معتبراً هذا المسار خروجاً عن الثوابت الوطنية، ومحاولة لفرض وقائع سياسية تتجاوز الدولة ودورها. في المقابل، طرح بديلاً يتمثّل في التفاوض غير المباشر، ضمن أطر تقنية أو دولية، وعلى رأسها ما عُرف بـ«لجنة الميكانيزم».
لكن المفارقة لا تكمن هنا، بل في مسار الموقف نفسه. فقبل تجدّد الحرب الموسّعة في الثاني من آذار، لم تكن «لجنة الميكانيزم» تحظى بأي ثقة من جانب الحزب. على العكس، كانت هدفاً مباشراً لانتقادات قاسية، وصلت إلى حدّ وصفها بالفاشلة والعاجزة عن تحقيق أي اختراق فعلي. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح النائب علي فياض في 17 كانون الثاني 2026، حين اعتبر أن اللجنة «فشلت في ضبط الاعتداءات أو فرض أي التزام إسرائيلي».
هذا التوصيف لم يكن تفصيلاً، بل كان حكماً سياسياً كاملاً على آلية تفاوضية برمّتها، يُفترض اليوم أنها تشكّل الإطار البديل المقبول. وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف يمكن لآلية وُصفت بالفشل قبل أسابيع، أن تتحوّل فجأة إلى مطلب سياسي يُعاد التمسك به؟
الإجابة لا تبدو تقنية بقدر ما هي سياسية. فالموقف من التفاوض، في جوهره، لا يرتبط بشكل الطاولة بقدر ما يرتبط بمن يجلس عليها، وبمن يملك قرار إدارتها. رفض التفاوض المباشر لا ينفصل عن رفض الاعتراف بدور الدولة كمرجعية حصرية في رسم مسار الحرب والسلم، فيما القبول بالتفاوض غير المباشر، حتى ضمن آلية سبق الطعن بها، يتيح هامشاً أوسع لإبقاء القرار خارج المؤسسات الرسمية.
بمعنى آخر، ليست «الميكانيزم» هي المشكلة أو الحل، بل الإطار الذي يسمح بإعادة إنتاج توازنات موازية للدولة. وهذا ما يفسّر هذا التناقض الظاهري: رفضٌ لما يعزّز دور الدولة، وقبولٌ بما يمكن الالتفاف عليه أو التحكم به من خارجها.
في النتيجة، يتحوّل النقاش من مسألة تفاوضية إلى مسألة سيادية. فهل المطلوب فعلاً اختيار الصيغة الأكثر فعالية لحماية لبنان، أم اختيار الصيغة التي تُبقي القرار موزّعاً بين الدولة ومرجعيات أخرى؟ هنا تحديداً، تتضح حقيقة المواقف، ويتبيّن أن التناقض ليس زلّة سياسية، بل جزء من منطقٍ كامل في إدارة الصراع.
المصدر : Transparency News








