من أبرز الأخطاء التي تقع فيها الدول والاقتصادات هو الاعتماد على مصدر دخل واحد فقط، لأن قوة الاقتصادات الحديثة لا تُبنى على قطاع منفرد مهما بلغت أهميته، بل على تنوع مصادر الدخل والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية القادرة على تأمين الاستدامة والنمو والأمن الوطني.


 وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج اقتصادي متقدم استطاع تحويل التحديات الجغرافية والبيئية إلى فرص استراتيجية.

فعلى مدى عقود، راهن كثيرون على فشل الإمارات في ملف الأمن الغذائي، باعتبارها دولة صحراوية محدودة الموارد المائية والزراعية، وظنوا أنها لن تتمكن يومًا من بناء منظومة قادرة على توفير الغذاء لشعبها، خاصة في منطقة تعاني من تحديات مناخية وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.

لكن الإمارات اختارت مسارًا مختلفًا قائمًا على التخطيط طويل الأمد، والاستثمار في التكنولوجيا، وتنويع الاقتصاد، وعدم الارتهان لأي قطاع واحد فقط، حتى ولو كان النفط. ومن هنا، بدأت الدولة في بناء نموذج متطور للأمن الغذائي يعتمد على الزراعة الذكية والعمودية، والتكنولوجيا الزراعية، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء مخزون غذائي استراتيجي، وتنويع سلاسل الإمداد، ودعم الصناعات الغذائية المحلية.

واليوم، تظهر الأرقام حجم التحول الذي حققته الإمارات في هذا القطاع الحيوي. فهناك أكثر من 48 ألف مزرعة تعمل داخل الدولة، فيما تعتمد مشاريع زراعية حديثة على تقنيات توفر ما يصل إلى 95% من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية، في خطوة تعكس حجم التطور التقني الذي وصلت إليه الدولة في إدارة الموارد الطبيعية.

كما وضعت الإمارات خططًا واضحة لخفض هدر الطعام بنسبة 50% بحلول عام 2030، بالتوازي مع توسيع المخزون الغذائي الاستراتيجي إلى 5.8 أشهر، مع خطط مستقبلية للوصول إلى مخزون يغطي 12 شهرًا كاملًا، بما يعزز القدرة على مواجهة الأزمات العالمية أو اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية.

ولا تقتصر طموحات الإمارات على تحقيق الاكتفاء أو الاستقرار المحلي فقط، بل تستهدف دخول قائمة أفضل 10 دول عالميًا في الأمن الغذائي بحلول عام 2051، ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على الاستدامة والابتكار والتحول الاقتصادي.

وهكذا، أثبتت الإمارات أن الرؤية السياسية الواضحة، والتكنولوجيا، والاستثمار في المستقبل، قادرة على تحويل الصحراء إلى مركز عالمي للأمن الغذائي والاستدامة، وأن الدول الناجحة هي تلك التي تبني اقتصادات متنوعة لا تعتمد على مصدر واحد، بل على منظومة متكاملة قادرة على التكيف والنمو في مختلف الظروف.


المصدر : Transparency News