بين نار الحرب و قرار رئيس الجامعة اللبنانية... ثيودوسيا كانت الفداء
02-06-2026 08:00 AM GMT+03:00
مرجعيون.. حين تكون العودة إلى البيت حلماً بعيداً
خرجت ثيودوسيا جيمس كرم من مرجعيون مع أبيها وأخيها، ثلاثة أرواح في سيارة واحدة تشقّ طريقها على إسفلت الجنوب الحزين، تحمل أقلامها وأحلامها نحو قاعة امتحان في كلية العلوم الفرع الأول-الحدث ولم يعودوا.
من يتحمل السؤولية ؟
حين تجلس في مكتب مكيّف وتصدر قراراً، لا ترى الوجوه التي ستتأثر بذلك القرار. لا ترى الأم التي ودّعت ابنتها عند الباب وهي تحبس أنفاسها. لا ترى الأب الذي آثر أن يرافق ابنته لأن الطريق لم تعد آمنة. لا ترى الأخ الذي ركب السيارة ليحمي أخته.
لم يرَ الدكتور بسام بدران، رئيس الجامعة، هذه الوجوه حين أصرّ على إجراء الامتحانات وفق الروزنامة المعتادة. و لم يرَها أيضا الدكتور علي كنج، عميد كلية العلوم، حين وافق على الامتحانات و كـأن البلاد تعيش ظروف طبيعية.
أبناء القرى الصامدة.. من نسيهم القرار
حين صدر قرار إجراء الامتحانات، هل فكّر أحد في رميش ؟ في القليعة؟ في مرجعيون وأخواتها من القرى التي تصمد على خط النار، تحت القصف و التهديد؟
هؤلاء الطلاب ليسوا أرقاماً في لوائح الحضور و الغياب. وحين قرّرت الجامعة أن "الامتحانات ستُجرى"، وجدوا أنفسهم أمام خيار مرّ :
إما أن تبقى في قريتك وتخسر امتحانك وإما تحمل المخاطر للوصول الى الجامعة.
كما لم تؤخذ بالاعتبار ظروف طلاب القرى الصامدة كذلك الأمر بالنسبة للطلاب النازحبن.
لم تُجرِ إدارة الجامعة أي إحصاء عن أماكن تواجد طلابها في زمن الحرب. لم ترسم خارطة واحدة تُظهر من أين يأتون وعبر أي طرق يمرون. لم تسأل سؤالاً واحداً: كم طالباً منهم في خطر؟
امتحان واحد.. وخوف لا يوصف
جاء طلاب كثيرون من مناطق بعيدة وخطرة، قطعوا مسافات طويلة، وتحملوا كلفة مالية. أجروا امتحانا واحدا.ثم دوّى التهديد. الضاحية في خطر. وفجأة وجد هؤلاء الطلاب أنفسهم في منتصف اليوم، يُقال لهم: الامتحانات توقّفت. اذهبوا.
لم يفكر أحد في تلك اللحظة الرهيبة حين يجلس الطالب في قاعة الامتحان وهاتفه يرتجف بالأخبار. كان الطلاب ينتظرون من إدارتهم قراءة مختلفة للواقع، تأخذ في الاعتبار المخاطر التي تحيط بهم قبل الإصرار على اجراء الامتحانات وفق المسار المعتاد.
رئاسة تُدير الأزمة بعقلية الروتين
المشكلة لم تكن في قرار واحد فحسب، بل في طريقة اتخاذ القرار نفسها.
في الظروف الاستثنائية، تُقاس كفاءة المؤسسات بقدرتها على التكيّف مع الواقع لا بتمسكها بالإجراءات المعتادة. لكن ما حدث أظهر أن إدارة الجامعة تعاملت مع الحرب كما لو أنها تفصيل خارجي لا يستوجب إعادة النظر في الخطط الأكاديمية.
لم تُعلن معايير واضحة لتقييم المخاطر. ولم تشرح للطلاب والأساتذة الأسس التي بُني عليها قرار المضي بالامتحانات. ولم تقدّم أي دراسة تُظهر أنها قيّمت أوضاع الطلاب القادمين من المناطق الخطرة أو النازحين أو أولئك الذين يحتاجون إلى ساعات طويلة من التنقل للوصول إلى الجامعة.
حين يُطلب من الجميع التنفيذ من دون نقاش أو تبرير أو مراجعة، فإن الإدارة تتحول من قيادة أكاديمية إلى جهاز بيروقراطي لا يرى إلا الروزنامة والمهل الزمنية.
قبل أيام من الامتحان، رفع الطلاب أصواتهم وطالبوا بالتأجيل. ليس تهرباً من الدراسة، بل خوفاً على أرواحهم. لم يُسمع النداء و لم تستطلع رئاسة الجامعة رأيهم ولا رأي أساتذته ، ولم تفتح نقاشاً حقيقياً. القرار ينزل من فوق، أحادياً.
وكأن الأساتذة والطلاب مجرد أدوات تنفيذ، لا شركاء في مؤسسة تعليمية يُفترض أنها تحترم العقل والحوار قبل أن تعلّمهما.
نذكر أن كلية العلوم في الحدث تحديداً تعرّضت لقصف مباشر في هذه الحرب. كما أن في الأيام التي سبقت الاثنين 1حزيران تاريخ أول يوم للامتحانات ، كانت التحذيرات تتساقط من كل حدب وصوب و أتى تحذير أممي رسمي من موجة عنف متصاعدة تطال بيروت. هذا وحده كان كافياً لأن يدفع أي مسؤول إلى التوقف والتفكير مرتين.
الإمتحان الذي كلّف أرواحاً
بغض النظر عن الدوافع، جاء إصرار رئاسة الجامعة اللبنانية على إجراء الامتحانات في بداية حزيران حاملا رسالة مفادها : الحرص على صورة، على سجل إنجازات، على أن يُقال في تقرير ما: "أجرينا الامتحانات في موعدها".
والمفارقة المؤلمة أن قانون الجامعة نفسه يمنح متسعاً كافياً من الوقت. العام الجامعي يمتد من أول تشرين حتى أواخر أيلول. فلماذا هذه العجلة؟ ولصالح ماذا؟
إنجاز شكلي يُضاف إلى مسيرة قرارات اتخذتها رئاسة الجامعة على مدى السنوات الماضية دون مراجعة جدية لتداعياتها. وإذا كانت هذه القرارات في السابق تبقى في حدود التبعات الإدارية، فإن الثمن هذه المرة كان باهظاً : ثيودوسيا ووالدها وشقيقها.
لو كانت ثيودوسيا في أوروبا تخيّلوا أن هذا حدث في جامعة أوروبية. طالبة استُشهدت عائدةً من امتحان في ظل وضع أمني استثنائي.
في مثل هذه الحالات، تُفتح تحقيقات مستقلة، وتُطرح أسئلة علنية حول آليات اتخاذ القرار وإدارة المخاطر، وتُراجع السياسات المعتمدة لمنع تكرار المأساة ويُعوّض الطلاب عن كل تكلفة مادية ونفسية تكبّدوها.
أما عندنا، لا محاسبة فعلية للمسؤولين عن القرار و لا تحقيق شفاف في ظروف الإصرار على إجراء الامتحانات رغم المخاطر الأمنية الواضحة و تحميل المسؤولية للقدر.
ثيودوسيا جيمس كرم انطقوا الاسم ببطء. فتاة خرجت من مرجعيون تحمل أحلامها، وعادت شهيدةً ارتجالية القرارات .
ما جرى ليس مجرد حادثة عابرة في سجل الأخبار. إنه سؤال أخلاقي كبير عن معنى المسؤولية، وعن قيمة الإنسان عندما تتقدم الجداول الزمنية على سلامة الطلاب.
"وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ" دم ثيودوسيا وعائلتها لن يكون رخيصاً في ضمائر الأحرار ، ولا أمام التاريخ.
المصدر : Transparency News








