البطريرك الحويّك: الحقيقة التي تُربك الجميع.
25-07-2026 06:19 PM GMT+03:00
منذ استقلال لبنان عام 1943، وبناء الدولة على مبدأ التسوية، أصبح من المألوف ألّا تُقال الحقيقة أبداً، لأنها مزعجة. فمن الناحية الأيديولوجية، يُفترض أن يمثّل لبنان الكبير الكيان المثالي، بما يحمله من بُعد يكاد يكون دينياً مكتملاً، وقدراً يجعله رسالةً إلى الإنسانية.
غير أنّ التسوية لم تمسّ ما نملك، بل ما نحن عليه. فقد طالت الكيان والهوية، لا الممتلكات والمصالح. وقد وصف جورج نقّاش هذا الإنكار المزدوج للذات بأنه «ارتقى إلى مستوى عقيدة الدولة».
التسوية
تخلّى المسيحيون عن انتمائهم المتوسطي الغربي، فيما تعهّد المسلمون بالتخلي عن فكرة الأمة العربية. عندها كتب جورج نقّاش تلك السطور الشهيرة التي أثارت عليه غضب السلطة:
ما لا تريده نصفُ الأمة اللبنانية واضحٌ تماماً.
وما لا يريده النصف الآخر واضحٌ تماماً.
أما ما يريده النصفان معاً، فهو ما لا يُرى.
فالدولة ليست مجموع عجزين، ولن تصنع نفيان أمةً أبداً.
لقد كانت كلمات جورج نقّاش، المنشورة في 10 آذار/مارس 1949، بقدر ما كانت صادمة، لا تقل جرأة عن الرسالة التي وجّهها المطران إغناطيوس مبارك سنة 1947 إلى اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين. فسُجن الصحافي، ونُفي المطران. ومنذ ذلك الحين، أُقصيت الحقيقة من القاموس السياسي اللبناني. صار لزاماً إخفاؤها، وتشويهها، وتجميلها بنفاق لا حدود له. ولم يُسهم شيء في تعجيل موت لبنان ومعاناة اللبنانيين بقدر اغتصاب هذه الحقيقة التي كان بشير الجميّل ينادي بها.
بل إنّ كلمات أحد الباباوات جرى تحريفها لخدمة عقيدة لبنان القائم على التسوية، المنزوع الذاكرة والهوية. فالبابا يوحنا بولس الثاني لم يتحدث قط عن «رسالة التعايش»، بل عن «رسالة الحرية»، في وقت كان لبنان مهدداً بالوقوع تحت هيمنة النظام السوري الشمولي. ومع ذلك، لم تتردد النخب السياسية والكنسية في تشويه كلامه وإخضاعه لمقتضيات افتقارها المؤلم إلى الرؤية.
لقد فضّلت تلك النخب بناء الدولة خلافاً للمنطق، ولتعاليم التاريخ، ولمبادئ العلوم السياسية. فأقامت ما وصفه جورج نقّاش بـ«التوازن البهلواني»، حين كتب، بنظرة استشرافية لافتة:
«إن أول صدمة ستُفضي إلى الانهيار.»
البطريرك إلياس الحويّك
ومن أكثر مظاهر تزوير التاريخ شيوعاً اليوم، ما يُروَّج بشأن النقطة السادسة من الاستبيان الذي وُجّه إلى البطريرك إلياس الحويّك أثناء إعداد دستور دولة لبنان الكبير سنة 1926. صحيح أن البطريرك شدّد على ضرورة التمثيل النيابي الطائفي، إلا أن هذا الخيار، خلافاً لما يُشاع اليوم، لم يكن نابعاً من رؤية مثالية للاندماج بين الطوائف، بل من إرادة حماية خصوصية كل جماعة وتجنّب مخاطر التنافس والصراع، كما كتب هو نفسه.
ولم يكن هذا التمثيل الطائفي سوى التعبير الجزئي عن نموذج فيدرالي كان قد اقترحه عليه روبير دو كيه دو سانت إيمور. غير أنّ هذه الفيدرالية الإثنية، التي اقتصر تطبيقها على الأحوال الشخصية، كان ينبغي أن تُستكمل بفيدرالية إقليمية، اعتبرها الدبلوماسي الفرنسي الصيغة الوحيدة القادرة على ضمان استمرارية الدولة الفتية.
التعددية الثقافية
أما أكبر عمليات تزوير التاريخ، فتتعلق بالمشروع الأبرز لهذا البطريرك الكبير: لبنان الكبير. إذ تدّعي النخب السياسية وقسم من كبار رجال الدين اليوم أن الفرنسيين عرضوا على البطريرك إنشاء دولة مسيحية، فرفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرّ على الرسالة التعددية لهذا البلد، باعتباره رسالةً للتعايش.
غير أنّ الأرشيف يثبت العكس تماماً. فمن رفوف بطريركية بكركي إلى أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورسيه)، تتهاوى هذه الروايات التي صيغت خصيصاً لإضفاء الشرعية على نموذج سياسي يعيد كتابة التاريخ كي يحافظ على بقائه.
لقد ظلّ إلياس الحويّك، في رسائله إلى الحكومة الفرنسية، يؤكد أن الدولة المسيحية هي الضمانة الوحيدة لمستقبل مستقر ودائم في المشرق. وتُعد رسالته المؤرخة في 15 تموز/يوليو 1926 إلى وزير الخارجية الفرنسي أريستيد بريان أوضح دليل على ذلك. ففي هذه الرسالة، التي يحلّ اليوم مئويتها، رفض أي تقليص لأراضي لبنان.
وانطلاقاً من منطق تكوين الدول القومية عقب الحرب العالمية الأولى، طرح فكرة تبدو اليوم صادمة للغاية، وهي التبادل السكاني. ورغم ما تثيره هذه الفكرة من رفض في عصرنا، فإنها كانت آنذاك ممارسة شائعة، وقد استشهد البطريرك نفسه بأمثلة من البلقان، وسيليزيا البولندية، وكيليكيا الأرمنية.
معاهدة لوزان
في عام 1923، كانت معاهدة لوزان قد فرضت، في مادتها الأولى، «التبادل الإلزامي للرعايا الأتراك من الديانة الأرثوذكسي المقيمين في الأراضي التركية، والرعايا اليونانيين من الديانة الإسلامية المقيمين في الأراضي اليونانية». وبهذه الأساليب، التي تبدو اليوم غير قابلة للتصور، رُسمت حدود عدد من الدول الحديثة.
ومن دون إصدار أي حكم أخلاقي بعد مرور قرن من الزمن، ينبغي فهم أن البطريرك الحويّك كان يسعى إلى إنشاء دولة متجانسة ثقافياً، بما يضمن السلام والاستقرار والأمن. ولم يكن هدفه قط أن يجعل من لبنان مختبراً لتجارب العيش المشترك.
وقد كتب إلى أريستيد بريان قائلاً إن «الفكرة الأساسية التي قامت عليها دولة لبنان كانت إنشاء دولة ملجأ لجميع مسيحيي المشرق». كما شدّد بوضوح على ضرورة استمرار الوجود الفرنسي بوصفه ضمانة للأجيال المقبلة، ووصف مشروعه الوطني بأنه «موطن وفاء لا يتزعزع لفرنسا». غير أن هذه التوصية لم يأخذ بها خلفه البطريرك أنطونيوس عريضة، الذي انضم إلى التيارات الاستقلالية، واضعاً شعبه في مهبّ الأخطار.
لم يكن البطريرك إلياس الحويّك يوماً من أنصار الاستقلال الكامل والفوري، ولا من دعاة النموذج التعددي الثقافي. وإنّ البراعة التي يُعاد بها اليوم تفسير التاريخ وتجميل الحقيقة، بمناسبة تطويبه، تكمن في الترويج لرومانسية التعايش على حساب الأرواح التي تحطمت طوال عقود، وما تزال تتحطم حتى اليوم.
إن هذا الوهم يتناقض مع الرؤية الحقيقية والقيم التي حملها هذا البطريرك القديس، الذي، بعدما عايش مأساة كفنو (المجاعة الكبرى)، أدرك هشاشة الوجود الإنساني فلن يقبل بالمغامرة بمصير الأجيال القادمة.
المصدر : ICI Beyrouth








