"تابع".. لو عاد البطريرك الحويك اليوم!
05-08-2026 11:36 AM GMT+03:00
لو عاد البطريرك الياس الحويك اليوم، بعد قرنٍ من الزمن، ليتفقّد لبنان الذي حمل قضيته، ونذر عمره من أجله، وسعى إلى أن يكون وطناً يتّسع لأبنائه ويحفظ لهم كرامتهم وأرضهم ووجودهم...
لو عاد، وجال بين اللبنانيين يسألهم عن أحوالهم، ويصغي إلى أنينهم خلف الأبواب المغلقة، ثم سار في القرى التي كانت بالأمس تعجّ بالأصوات، فإذا بها اليوم صامتة إلا من ريحٍ تعبر بيوتها الخالية...
لو عاد، ورأى أبناء لبنان يتوزعون في أصقاع الأرض، يحملون في حقائبهم ما بقي لهم من وطن، وفي قلوبهم حنيناً إلى قرى قد لا يعودون إليها. ورأى السهول التي كانت خضراء كأنها بشائر ربيع دائم، وقد أنهكها التصحّر، ورأى الأرض التي أحبّها تُترك عطشى، والحقول التي كانت تطعم أهلها تنحسر أمام الإهمال والهجرة.
لو عاد، ورأى لبنان الذي عرفه في المخيلة والرجاء، فإذا به مثقلٌ بالحروب، مكدودٌ بالدمار، موجوعٌ بالفقر، مهدّدٌ بهجرة أبنائه، ومعلّقٌ بين وطنٍ يتمسّك به أهله، ووطنٍ يتسرّب من بين أيديهم يوماً بعد يوم...
فماذا كان سيفعل؟
هل كان سيقف طويلاً أمام هذا المشهد، تحدّق عيناه في البعيد، ثم تفيض دمعةٌ صامتة من عينَي الرجل الذي قاتل بالكلمة والإيمان والإرادة كي يرى لبنان وطناً؟
هل كان سيمسح دمعته، ويعود إلى حيث أتى، حاملاً معه وجعاً لا يقال، وشكوى لا تكفيها الكلمات؟
أم تراه كان سيضع يده على جبينه، ويتساءل في مرارة:
ألهذا سعينا؟ ألهذا حلمنا؟ ألهذا حملنا قضية لبنان إلى العالم؟
وربما، في لحظةٍ من أشد لحظات الألم، كان سيتمنى لو أن السفينة التي حملته مع الوفد اللبناني إلى مؤتمر باريس لم تبلغ شاطئها، ولو أن أمواج البحر ابتلعت رجالاً كانوا يحملون في قلوبهم حلماً بوطنٍ يليق بأبنائه!
لكنني لا أظنّه كان سيتنكر لما فعل، ولا كان سيندم على لبنان الذي ناضل من أجله.
فالرجل الذي آمن بوطنٍ في زمنٍ لم يكن فيه الوطن أكثر من حلم، لا يمكن أن يندم على الحلم؛ بل لعلّه كان سيحزن لأن الذين تسلّموا الحلم من بعده لم يحسنوا حمايته.
وربما كان سيعود إلينا من جديد، لا ليبكي لبنان وحده، بل ليوقظ أبناءه.
كان سيقول لنا:
لبنان لم يُبنَ لكي يكون ذكرى، ولا لكي يكون فندقاً عابراً لأبنائه، ولا أرضاً يتركها أهلها ثم يعودون إليها زائرين. لبنان أمانة؛ ومن يفرّط في الأمانة لا يخسر أرضاً فحسب، بل يخسر جزءاً من نفسه.
ثم لعلّه كان سيصعد إلى إحدى تلاله، وينظر إلى البحر طويلاً، حيث بدأت الرحلة قبل قرن، ويقول بحسرةٍ وهدوء:
لقد استطعنا أن نولد وطناً من قلب العاصفة... فهل يعجز أحفادنا اليوم عن إنقاذه من أيديهم؟
عندها، ربما، كانت دمعة البطريرك ستسقط على تراب لبنان.
لا دمعةَ الندم على وطنٍ أنشأه،
بل دمعةَ الأب الذي يرى أبناءه يتنازعون البيت، فيما البيت نفسه يوشك أن يخلو من أهله.
المصدر : Transparency News








