بعد ستة أشهر من الضربات الأميركية والإسرائيلية التي عطّلت جزءاً من إنتاج الوقود الأحفوري في الشرق الأوسط وحوّلت مضيق هرمز إلى بؤرة للتوتر البحري، بدأت تداعيات الحرب على أسواق الطاقة العالمية تتضح، مع اتجاه الحكومات والشركات والمستهلكين إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.


ووفق بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، تجاوزت الكلفة الإضافية التي تكبدها مستوردو الوقود الأحفوري حول العالم منذ اندلاع الحرب في 28 شباط 330 مليار دولار، فيما استفادت دول منتجة للنفط والغاز خارج منطقة النزاع من ارتفاع الأسعار.

وأظهرت البيانات أن الاقتصادات التي كانت قد بدأت قبل الحرب تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري كانت أكثر قدرة على مواجهة تداعيات الأزمة. وفي الصين، ساهمت مشاريع الطاقة المتجددة التي أُضيفت منذ عام 2020 في تجنّب استيراد وقود أحفوري بقيمة تقارب 8 مليارات دولار بين آذار وتموز، بحسب تقديرات المركز.

وفي الجانب البيئي، لم تسجل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري ارتفاعاً كبيراً خلال النصف الأول من 2026، إذ زادت بنحو 0.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق تحليل أولي أجرته منظمة «كلايمت ترايس».

الصين وأميركا اللاتينية في خانة الرابحين

برزت الصين بين أبرز المستفيدين من التحولات الجديدة، مستفيدة من موقعها المتقدم في تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتزايد الإقبال على الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية.

وسجلت الصين خمسة أشهر متتالية من الصادرات القياسية لتقنيات الطاقة النظيفة بالدولار منذ اندلاع الحرب، وفق «بلومبرغ إن إي إف». وفي تموز، تجاوزت مبيعات شركات السيارات الصينية من المركبات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن في الأسواق الخارجية 500 ألف سيارة، بزيادة تقارب 150% على أساس سنوي.

كما استفاد منتجو النفط والغاز في أميركا الشمالية والجنوبية من ارتفاع الأسعار، مع زيادة الإنتاج وتحول بعض المشترين بعيداً عن موردي الخليج.

ومن المتوقع أن يستفيد كبار منتجي المعادن الحيوية، مثل النحاس والليثيوم، من تسارع التحول نحو الكهرباء، وفي مقدمهم تشيلي وبيرو.

الخليج... في دائرة الخسائر

في المقابل، تكبدت دول الخليج خسائر كبيرة نتيجة الهجمات على منشآت الطاقة والاضطرابات التي أصابت حركة الشحن. وطالت الأضرار منشآت حيوية، بينها مصفاة نفط كبرى في السعودية ومحطة رئيسية لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر.

وبحسب تقديرات جامعة رايس، بلغ متوسط الخسائر الأولية في صادرات دول الخليج نحو ملياري دولار يومياً خلال آذار، فيما قدرت شركة «ريستاد إنرجي» الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة بنحو 58 مليار دولار.

كما حذّر محللو «بلومبرغ إن إي إف» من أن ارتفاع تكلفة الاقتراض في المنطقة قد يقوّض الجدوى الاقتصادية لبعض مشاريع الطاقة النظيفة على المدى القريب.

وتضررت كذلك الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط العابرة لمضيق هرمز، وفي مقدمتها اليابان وكوريا الجنوبية، فيما انعكست صدمة الأسعار بصورة أشد على عدد من الدول الأفريقية المستوردة للوقود.

صدمة الطاقة تسرّع التحول إلى البدائل

دفعت أزمة الطاقة الاقتصادات النامية إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، بعدما وجدت دول أفقر نفسها أمام فاتورة طاقة تعادل نحو 1% إضافية من ناتجها المحلي الإجمالي، وفق CREA.

وفي أفريقيا، ارتفعت واردات معدات الطاقة الشمسية الصينية بنسبة 37% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر إلى تنامي الاعتماد على الطاقة الشمسية كبديل للوقود التقليدي.

وامتد هذا الاتجاه إلى آسيا، حيث شهدت الفلبين قفزة كبيرة في الطلب على معدات الطاقة الشمسية، مع ارتفاع وارداتها من المعدات الصينية بنسبة 262% في آذار على أساس سنوي.

كما تسارعت مبيعات السيارات الكهربائية في عدد من الأسواق الآسيوية، إذ سجلت الفلبين وإندونيسيا تقريباً ضعف المبيعات الشهرية خلال حزيران وتموز مقارنة بالفترة نفسها من 2025، فيما ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية في الهند إلى نحو 30 ألف سيارة شهرياً.

وبينما سجلت الصين والولايات المتحدة انخفاضاً طفيفاً في الانبعاثات خلال النصف الأول من العام، ارتفعت الانبعاثات في الهند والبرازيل. لكن المخاوف من عودة قوية إلى الفحم نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة لم تتحقق حتى الآن، مع استمرار نمو الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع خلال النصف الأول من 2026.


المصدر : وكالات