تفتح التطورات الأمنية والقضائية في لبنان، من مداهمة مستودع الأدوية في غاليري سمعان إلى قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، بابًا واسعًا أمام التساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين الدولة و«حزب الله». ويتمثل التحدي الأبرز في احتمال انتقال التحقيقات من ملاحقة المنفذين إلى مسؤولين يُشتبه في ارتباطهم بالبنية الأمنية والتنظيمية للحزب، بما يضع مؤسسات الدولة أمام اختبار قدرتها على تطبيق القانون وسط ضغوط داخلية ودولية متصاعدة.


من التنسيق الأمني إلى الملاحقات القضائية

تتجاوز دلالات هذه الملفات مسألة ضبط أدوية فاسدة يُقال إنها مرتبطة بمقرّبين من «حزب الله»، أو مصادرة شحنة متفجرات، لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والحزب، وحدود نفوذ الأخير داخل المؤسسات الأمنية والرسمية.

ويتمثل التطور الأبرز، وفق قراءة المشهد، في الانتقال من مرحلة التنسيق مع مسؤولي الحزب لتسهيل تنفيذ المهمات الأمنية، إلى احتمال التحقيق مع بعض هؤلاء المسؤولين وملاحقتهم قضائيًا. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع تأكيد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال اتصاله الأخير بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن التحقيقات في قضية متفجرات ضهر البيدر ستستمر حتى نهايتها.

وفي المقابل، تثير التحركات الميدانية التي رافقت مداهمة غاليري سمعان، وما تلاها من استعراضات شبه عسكرية وإقفال مداخل بيروت، مخاوف من أن يؤدي توسّع الملاحقات إلى تصعيد الضغط في الشارع، وصولًا إلى احتمال نقل المواجهة إلى الداخل اللبناني.

وتبرز في هذا السياق محطات أمنية وقضائية وسياسية متداخلة، ترسم ملامح مرحلة حساسة في العلاقة بين الدولة و«حزب الله»، وتطرح تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها.

أولًا: العقوبات الأميركية تطال مسؤولين أمنيين لبنانيين

في 21 أيار 2026، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على تسعة أشخاص في لبنان، بينهم العقيد سامر حمادي، رئيس فرع الضاحية الجنوبية في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، والعميد خطار ناصر الدين في الأمن العام، على خلفية اتهامات أميركية بتقديم دعم ومعلومات استخبارية إلى «حزب الله».

وشملت العقوبات أيضًا شخصيات سياسية وأمنية أخرى مرتبطة بالحزب أو بحركة «أمل».

ولا تقتصر دلالات هذه الخطوة على الأشخاص المستهدفين، بل تعكس دخول العلاقة بين «حزب الله» وبعض المسؤولين داخل المؤسسات الرسمية في صلب المواجهة السياسية والدبلوماسية مع واشنطن، التي تربط بين نفوذ الحزب داخل الدولة وقدرة السلطات اللبنانية على تنفيذ القرارات المتعلقة بحصرية السلاح واستعادة سلطة المؤسسات.

وتحمل العقوبات، وفق هذه القراءة، رسالة سياسية إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها أن الضغط الأميركي لم يعد مقتصرًا على «حزب الله» بوصفه تنظيمًا سياسيًا وعسكريًا، بل امتدّ إلى شخصيات تتهمها واشنطن بالمساعدة في الحفاظ على نفوذه داخل أجهزة الدولة.

ثانيًا: مداهمة غاليري سمعان تكشف إشكالية التنسيق الأمني

في 16 تشرين الأول 2026، نفّذت المباحث الجنائية المركزية، بناءً على استنابة قضائية، مداهمة لمستودع أدوية فاسدة مرتبط بمقرّبين من «حزب الله» في منطقة غاليري سمعان.

وخلال تنفيذ المهمة، اعترضت مجموعات مسلّحة مرتبطة بالحزب الدورية الأمنية وحاصرتها، قبل أن يتدخل الجيش ويؤازر القوى الأمنية لاستكمال مهمتها.

في المقابل، قال «حزب الله» إن الدورية لم تعتمد آلية التنسيق المتفق عليها لمراعاة الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية.

ولا تكمن أهمية الحادثة في اعتراض الدورية فحسب، بل أيضًا في البيان الذي أصدره الحزب، وأقرّ فيه بوجود آلية تنسيق مع الأجهزة الأمنية، معتبرًا أن المداهمة نُفّذت من دون اعتمادها.

وهنا تبرز أسئلة جوهرية بشأن طبيعة هذه الآلية وحدودها القانونية: هل هي مجرد إجراء لتفادي الاحتكاك في منطقة تُعامل باعتبارها ذات خصوصية أمنية، أم أنها تحولت عمليًا إلى شرط يفرضه الحزب على تحركات القوى الأمنية؟

والسؤال الأكثر حساسية هو كيفية تعامل الحزب مع أي تغيير في هذه الآلية، ولا سيما إذا قررت الدولة تنفيذ المهمات الأمنية والقضائية من دون الرجوع إليه أو مراعاة شروط يضعها.

فإذا كانت الأجهزة الأمنية والقضاء يتجهان إلى توسيع نطاق تحركاتهما، فإن حادثة غاليري سمعان قد تتحول إلى مؤشر على طبيعة الاحتكاك المحتمل بين سلطة الدولة والنفوذ الأمني للحزب.

ثالثًا: متفجرات ضهر البيدر تضع التحقيقات أمام اختبار حاسم

إذا كانت حادثة غاليري سمعان قد أعادت طرح حدود التنسيق الأمني، فإن قضية المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر تضع الدولة أمام اختبار أكثر حساسية، خصوصًا إذا امتدت التحقيقات إلى أشخاص يُشتبه في توليهم التخطيط أو الإشراف على العملية.

وبحسب معلومات أوردتها صحيفة «نداء الوطن»، يُتوقع أن تشهد القضية تطورات قضائية خلال الأسبوع الجاري، تشمل استدعاءات جديدة وإجراءات قضائية وصفتها المصادر بالنوعية، من دون تحديد طبيعتها.

وترددت معلومات عن احتمال توسع التحقيقات لتشمل مسؤولين في المجلس الجهادي لـ«حزب الله»، من بينهم المسؤول العسكري علي شرف والمسؤول الأمني محمد حيدر، إلا أن هذه المعلومات لم تتأكد جميعها رسميًا.

وفي المقابل، أبدى مرجع دبلوماسي استغرابه من عدم مداهمة المكان الذي انطلقت منه الشحنة في بعلبك حتى الآن، ومن عدم توقيف أشخاص قيل إن الموقوفين اعترفوا بأسمائهم خلال التحقيق في شعبة المعلومات.

وقال المرجع الدبلوماسي إن التحقيق، بحسب تقديره، سيقود إلى مسؤولين يتولون إدارة الاتصالات الأمنية داخل «حزب الله»، متسائلًا عن قدرة الدولة على مواصلة التحقيق حتى نهايته، مهما ارتفع مستوى المسؤولية لدى المشتبه فيهم.

ويضع هذا المسار السلطات اللبنانية أمام سؤال أساسي: هل ستتمكن التحقيقات من الوصول إلى المستويات التنظيمية الأعلى، أم ستبقى الملاحقات محصورة بالأشخاص الذين تولوا تنفيذ المهمات ميدانيًا؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت قضية المتفجرات ستبقى ملفًا قضائيًا محدودًا، أم ستتحول إلى اختبار عملي لقرار الدولة فرض حصرية السلاح ووضع القرارات الأمنية والعسكرية تحت سلطتها.

رابعًا: من ملاحقة العناصر إلى الاقتراب من البنية الأمنية للحزب

تكمن نقطة التحول المحتملة في هذه الملفات في انتقال مركز الثقل من ملاحقة الأشخاص الذين ينفذون المهمات على الأرض إلى التحقيق مع من يُشتبه في أنهم خططوا لها أو أشرفوا عليها أو تولوا إدارة الاتصالات المرتبطة بها.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال عندما تقود التحقيقات إلى أشخاص يشغلون مواقع تنظيمية داخل الحزب، إذ قد تصبح ملاحقتهم موضع مواجهة تتجاوز الإطار القضائي إلى العلاقة بين الدولة و«حزب الله» برمتها.

وفي هذه الحالة، لن يكون التحدي مقتصرًا على جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات، بل سيمتد إلى ضمان قدرة الأجهزة الأمنية على تنفيذ الإجراءات القضائية، بصرف النظر عن المواقع التنظيمية للمشتبه فيهم أو مناطق نفوذهم.

ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن رد فعل الحزب إذا وصلت التحقيقات إلى مستويات أعلى في بنيته الأمنية: هل سيلجأ إلى الضغط السياسي والميداني لفرض شروط على مسار التحقيق؟

وتستند المخاوف من هذا الاحتمال إلى التحركات التي شهدتها شوارع بيروت ومداخلها، بما فيها الاستعراضات ذات الطابع العسكري التي شارك فيها أشخاص يرتدون ملابس سوداء، والتي تُقرأ في سياق التوتر المتصاعد بين الحزب ومؤسسات الدولة.

ويتقاطع هذا المسار القضائي مع قرار سياسي أوسع يتعلق بحصرية السلاح ومرجعية الدولة في القرارات الأمنية والعسكرية، ما يجعل أي مواجهة حول تنفيذ الإجراءات القضائية اختبارًا مباشرًا لقدرة المؤسسات على فرض القانون.

خامسًا: هل يدفع الضغط الأمني والقضائي «حزب الله» إلى التصعيد الداخلي؟

يتمثل السؤال الأكثر حساسية في احتمال أن يؤدي تضييق الخناق الأمني والقضائي إلى دفع «حزب الله» نحو استخدام أوراقه الداخلية للضغط على الدولة.

وتذهب تقديرات ومعلومات متداولة في هذا السياق إلى أن خيار استخدام القوة قد يكون مطروحًا إذا تصاعدت الملاحقات وطالت مصالح الحزب الأمنية والتنظيمية. غير أن هذا الطرح لا يشكل، بحد ذاته، تأكيدًا رسميًا لوجود قرار نهائي باستخدام القوة أو لخطة محددة لتنفيذه.

وقد يتخذ الضغط، في حال حصوله، أشكالًا متعددة لا تبدأ بالضرورة بمواجهة مسلحة، بل قد تشمل تحركات ميدانية أو محاصرة مقار رسمية أو محاولات لفرض وقائع على الأرض. أما احتمال انتقال التوتر إلى استخدام السلاح في الداخل، فيبقى من السيناريوهات التي تثير القلق في ضوء حساسية المرحلة.

في المقابل، برز الرد الرسمي من خلال الانتشار اللافت للجيش اللبناني في محيط الضاحية الجنوبية، في مؤشر إلى أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسة العسكرية في احتواء التوتر والحفاظ على الأمن.

ويبقى المسار الذي ستتخذه الأزمة مرتبطًا بمدى تقدم التحقيقات، وطبيعة الإجراءات التي ستُتخذ، وكيفية تعامل الأطراف المعنية مع قرارات القضاء والأجهزة الأمنية.

سادسًا: أحداث 7 أيار 2008 تعيد إلى الواجهة مخاوف المواجهة الداخلية

لا يمكن تناول احتمال انتقال التوتر بين الدولة و«حزب الله» إلى الداخل اللبناني من دون استحضار أحداث 7 أيار 2008، حين تحولت المواجهة السياسية بين الحكومة والحزب إلى اشتباكات مسلحة في بيروت ومناطق أخرى.

وتعيد التطورات الحالية طرح سؤال بشأن مدى إمكانية تكرار سيناريو مشابه، في حال تصاعد الخلاف حول السلاح ودور المؤسسات الأمنية والقضائية.

لكن المقارنة بين المرحلتين لا تعني بالضرورة أن الظروف الحالية ستقود إلى النتيجة نفسها. فالمشهد الداخلي والإقليمي تغيّر منذ عام 2008، كما أن طبيعة التحديات المطروحة اليوم ترتبط بملفات قضائية وأمنية وبضغوط دولية تتعلق بحصرية السلاح ودور الدولة.

وعليه، فإن استحضار أحداث 7 أيار يشكل تحذيرًا من مخاطر انزلاق الخلافات السياسية إلى مواجهات داخلية، وليس دليلًا قاطعًا على أن هذا السيناريو بات حتميًا.

سابعًا: واشنطن تضغط وملف المتفجرات يتجاوز حدوده القضائية

لا يمكن فصل التطورات الداخلية عن الضغوط الدولية التي يتعرض لها لبنان في ملف حصرية السلاح، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وما يرتبط بها من حسابات سياسية وأمنية إقليمية.

وفي هذا السياق، بات ملف المتفجرات جزءًا من اختبار أوسع لقدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع السلاح خارج سلطتها، وتنفيذ قراراتها الأمنية والقضائية بصورة مستقلة.

وتواجه السلطات ثلاثة اختبارات مترابطة:

- الاختبار القضائي: هل تستطيع التحقيقات في ملف المتفجرات وسائر الملفات المفتوحة الوصول إلى نتائج حاسمة، وتحديد المسؤوليات على مختلف المستويات، بما فيها المستويات التنظيمية العليا داخل «حزب الله» إذا أثبتت الأدلة وجود صلة بها؟

- الاختبار الأمني: هل تتمكن القوى الأمنية والجيش اللبناني من تنفيذ الإجراءات والتوقيفات المطلوبة في المناطق التي يفرض فيها الحزب نفوذه الأمني، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل المهمات الرسمية أو تعريض الاستقرار للخطر؟

- الاختبار السياسي: هل تستطيع الحكومة الحفاظ على هيبة الدولة ومنع فرض وقائع بالقوة، بالتوازي مع إدارة التوترات الداخلية؟ ويُتوقع أن يُطرح خلال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء ملف إحالة القضية إلى المجلس العدلي، وفق ما ورد في النص الأصلي.

وتتداخل هذه الاختبارات، إذ إن أي تعثر في المسار القضائي قد ينعكس على قدرة الدولة على فرض قراراتها، فيما قد يؤدي التصعيد الميداني إلى تعقيد عمل الأجهزة الأمنية ورفع كلفة المواجهة السياسية.

الخلاصة: هل تستطيع الدولة فرض سلطتها حتى النهاية؟

تضع ملفات غاليري سمعان وضهر البيدر العلاقة بين الدولة و«حزب الله» أمام مرحلة دقيقة، عنوانها الانتقال من التنسيق الأمني إلى اختبار قدرة المؤسسات على تنفيذ قراراتها القضائية من دون تدخل أو شروط من أي جهة.

لكن الوصول إلى مواجهة داخلية ليس نتيجة حتمية لهذه التطورات. فالمسار سيتحدد وفق الأدلة التي ستظهرها التحقيقات، والإجراءات التي ستتخذها السلطات، ومدى التزام الأطراف بقرارات القضاء والقانون.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو الموازنة بين استكمال التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت تورطهم، وبين منع التصعيد والحفاظ على الاستقرار الداخلي. أما ملف حصرية السلاح، فيتوقف تقدمه عمليًا على قدرة المؤسسات الرسمية على تحويل القرارات السياسية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ على الأرض.


المصدر : وكالات