أكد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن «الأرض ليست مجرد ملكية مادية، بل هي ذاكرة وجذور وهوية»، محذرًا من تزايد بيع الأراضي تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة، ومشددًا على أن الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق يشكل مسؤولية وطنية ترتبط بالتمسك بالأرض، وتأمين مقومات البقاء، وحماية التنوع الذي يميز هوية لبنان ورسالته.


ودعا الراعي الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في توفير فرص العمل والتعليم والسكن والطبابة، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، مؤكدًا أن «حصر السلاح تحت سلطة الدولة، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية» يشكلان من المقومات الأساسية لقيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها.
كلام البطريرك الراعي جاء في عظة ألقاها خلال ترؤسه القداس الإلهي الاحتفالي بمناسبة مرور أربعمئة سنة على حضور الرهبنة الكبوشية في لبنان والشرق الأدنى، في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في وسط بيروت، بمشاركة حشد من الشخصيات الكنسية والرسمية والدبلوماسية والرهبانية.

وكان الموكب البطريركي قد انطلق عند الساعة الرابعة بعد الظهر من الصرح البطريركي في بكركي، ورافق غبطته المطران الياس نصار، النائب العام البطريركي في بكركي، والأب فادي تابت، أمين السر العام للبطريركية المارونية، والخوري كميليو مخايل، أمين السر الخاص. ووصل الموكب عند الساعة الرابعة وخمس وخمسين دقيقة إلى الكاتدرائية، حيث كان في استقباله المسؤولون عن الرهبنة والمنظمون للاحتفال.
وعند الساعة الخامسة، ترأس الراعي القداس الإلهي، وعاونه المطران بولس عبد الساتر، راعي أبرشية بيروت المارونية، والمطران الياس نصار، والأب إيلي رحمة، الرئيس الإقليمي للآباء الكبوشيين، والأب فادي تابت.
وشارك في الاحتفال ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية الوزير ميشال منسى، وعدد من المطارنة والأساقفة والرؤساء العامين والإقليميين، وممثل السفارة البابوية، والنائب الرسولي للاتين في لبنان المطران سيزار إسايان، والسفير الفرنسي باتريك دوريل، وممثل السفارة الإيطالية لويجي بوتشيتي، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية وأمنية وعسكرية ورهبانية، وجمع من المؤمنين.

 الراعي: لا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها

وفي الشق الوطني من عظته، توقف البطريرك الراعي عند الأزمات التي تهدد بقاء اللبنانيين في أرضهم، ولا سيما المسيحيين في لبنان والشرق، معتبرًا أن الحفاظ على هذا الحضور لا يتحقق بالشعارات، بل بإجراءات عملية تعزز صمود العائلات وتوفر للشباب أسباب البقاء بدل الهجرة.
وشدد على ضرورة التمسك بالأرض وعدم التفريط بها، خصوصًا في ظل الضائقة الاقتصادية التي تدفع إلى بيعها، مؤكدًا أن الأرض تتجاوز قيمتها المادية لتشكل ذاكرة الجماعة وجذورها وهويتها التاريخية والوطنية.
وفي هذا الإطار، استعاد تشديد قداسة البابا لاون الرابع عشر على ضرورة صون الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة الشباب والعائلات الذين تدفعهم الأزمات الاقتصادية إلى الهجرة، وتأمين مقومات بقائهم في أرضهم ليظلوا شهودًا للسلام في المنطقة.
وأكد الراعي أن الدولة مدعوة إلى توفير أسباب البقاء من فرص عمل وتعليم وسكن وطبابة، وإلى استعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم وترسيخ مرجعيتها الواحدة في حماية جميع المواطنين.
وشدد بصورة خاصة على ضرورة حصر السلاح تحت سلطة الدولة وتعزيز الجيش والقوى الأمنية، باعتبار ذلك من الأسس الضرورية لقيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها.

 إعادة الإعمار وعودة الأهالي: مسؤولية وطنية وإنسانية

وأولى البطريرك الراعي اهتمامًا خاصًا لملف إعادة إعمار المناطق المتضررة وعودة العائلات إلى منازلها، مؤكدًا أن «إعادة إعمار ما تهدم وعودة العائلات إلى بيوتها» تشكلان مسؤولية وطنية وإنسانية.
ولفت إلى أنه لا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها، ولا يمكن الحديث عن البقاء إذا بقيت القرى من دون فرص عمل، والبيوت من دون إعمار، والعائلات من دون شعور بالأمان.
كما شدد على أهمية الدبلوماسية اللبنانية والعلاقات مع المجتمع الدولي لتحصين موقع لبنان، وتأمين الدعم لمؤسساته والدفاع عن مصالحه، داعيًا إلى ترجمة هذه العلاقات إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والتعافي، وتساعد الدولة على القيام بمسؤولياتها.
وأكد ضرورة أن يبقى لبنان أرض لقاء لا ساحة صراع، ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام.

 من الإنجيل إلى المسؤولية الوطنية: الخدمة قبل المصالح الخاصة

وكان البطريرك الراعي قد انطلق في عظته من قول السيد المسيح: «المدعوون كثيرون، أما المختارون فقليلون» (متى 22: 14)، موضحًا أن مثل وليمة العرس يشكل دعوة إلى تجديد القلب والحياة، وإلى إيمان صادق يترجم بالأعمال والسلوك.
وأشار إلى أن الله يفتح أبواب ملكوته للجميع، لكنه ينتظر من الإنسان أن يلبس ثوب الإنسان الجديد، أي ثوب المحبة والتواضع والرحمة والخدمة.
وانطلاقًا من هذا المعنى الإنجيلي، تناول الراعي مسؤولية الإنسان تجاه وطنه وشعبه، مؤكدًا أن المسؤولية الحقيقية تظهر في الخدمة والعمل وتقديم خير الإنسان والوطن على المصالح الخاصة.
وربط هذه الدعوة بالرسالة التي حملها الآباء الكبوشيون طوال أربعة قرون، إذ جعلوا من الفقر والبساطة والأخوة والخدمة نهجًا لحياتهم، ومن حضورهم بين الناس شهادة عملية للإنجيل.

 أربعة قرون من الحضور الكبوشي: من خدمة الفقراء إلى شهادة القديسين

وفي البعد التاريخي والروحي من عظته، استعاد البطريرك الراعي بدايات حضور الرهبنة الكبوشية في لبنان سنة 1626، عندما وصل إلى صيدا راهبان كبوشيان فرنسيان واتخذا من خان الإفرنج منطلقًا لرسالتهما، في زمن البطريرك يوحنا مخلوف الذي شجع حضور الإرساليات الرهبانية وسهل خدمتها.
وأشار إلى أن الرسالة توسعت لاحقًا إلى بيروت وحصرون وطرابلس وغزير وعبية وصليما وبعبدات وغيرها من المناطق، حيث حمل الرهبان التعليم إلى المحتاجين إليه، والعناية إلى المرضى، والخدمة إلى الفقراء، والرجاء إلى المتألمين.
وتوقف عند ثمار القداسة التي أنجبتها هذه الرسالة، وفي طليعتها الطوباوي يعقوب الحداد الكبوشي، مؤسس جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات، والطوباويان الشهيدان ليونار ملكي وتوما صالح، اللذان ثبتا في إيمانهما حتى الاستشهاد.
وأكد أن اليوبيل ليس مجرد استعادة للماضي أو افتخار بالتاريخ، بل دعوة إلى تجديد الأمانة للإنجيل ومواصلة الشهادة للمسيح في خدمة الإنسان والمجتمع.
واختتم عظته بالصلاة من أجل لبنان وشعبه، طالبًا شفاعة الطوباويين يعقوب الحداد وليونار ملكي وتوما صالح، لكي يحفظ الله لبنان ويديم فيه نعمة الإيمان والرجاء والسلام.

 كلمات الاحتفال: أربعة قرون من الأخوة والشهادة والمحبة

وكان الأب عبدالله النفيلي، المسؤول عن كاتدرائية مار لويس، قد استهل القداس بكلمة ترحيبية شكر فيها البطريرك الراعي على مشاركته في الاحتفال، مستعيدًا العلاقة التاريخية بين البطريركية المارونية والرهبنة الكبوشية، ومؤكدًا أن المائدة الإفخارستية تجمع المؤمنين حول المسيح، فتولد من الشركة أخوة، ومن الأخوة محبة، ومن المحبة رجاء.

وفي نهاية القداس، تلا الأب مخايل مغامس رسالة الرئيس العام للرهبنة الكبوشية الأب روبيرتو جِنوين، الذي اعتبر أن اليوبيل الأربعمئة ليس مجرد استذكار لمسيرة تاريخية، بل انطلاقة متجددة نحو المستقبل، مؤكدًا أن رسالة الكبوشيين تقوم على الشهادة لوجه المسيح الرحيم، وعلى أن يكونوا «إخوة بين الإخوة»، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان والشرق الأدنى.

كما استعاد الرئيس العام العلاقة الأخوية الراسخة مع الكنيسة المارونية منذ وصول الرهبان الأوائل إلى لبنان، وشكر البطريرك الراعي على ترؤسه الاحتفال، داعيًا إلى تجديد روح القديس فرنسيس الأسيزي، وإلى البقاء قرب المتألمين والمحتاجين وحمل الرجاء إليهم.

وفي كلمة الختام، توجه الأب إيلي رحمة، الرئيس الإقليمي للآباء الكبوشيين، بالشكر إلى البطريرك الراعي وجميع المشاركين، مستعيدًا قول القديس بولس الرسول: «إننا رائحة المسيح العطرة»، ومؤكدًا أن رسالة الرهبنة بعد أربعة قرون لا تزال دعوة إلى نشر المحبة والأخوة والسلام.

وتوقف عند الرمزية التاريخية والوطنية لكاتدرائية مار لويس، التي شكلت على مر السنين شاهدًا على محطات من تاريخ لبنان وإيمانه واستقلاله، معتبرًا أن الاحتفال جسد جمال التنوع الكنسي ووحدة الشهادة للمسيح.

وختم بالدعوة إلى أن يبقى لبنان، رغم جراحه، قادرًا على أن يهدي العالم عبير القداسة، مطلقًا النداء: «فلتكن رائحة السلام أقوى من دخان الحروب».

وفي ختام الاحتفال، قدم الأب إيلي رحمة إلى البطريرك الراعي هدية تذكارية تحمل شعار اليوبيل الأربعمئة، عربون تقدير وامتنان، واختتمت المناسبة في أجواء من الصلاة والشكر، مجددة العهد بمواصلة رسالة الإيمان والخدمة والأخوة في لبنان والشرق الأدنى.