انفجار مرفأ بيروت لم يكن حادثاً منفصلاً عن واقع عاشه لبنان لسنوات. كميات هائلة من المواد المتفجرة كانت موجودة خارج الرقابة الفعلية للدولة، وسط تداخل للمصالح وتجاهل للتحذيرات، إلى أن وقعت الكارثة.


 

واليوم، بعد سنوات، يضبط الأمن الداخلي على حاجز ضهر البيدر شاحنة تحمل نحو 500 كيلوغرام من المواد الشديدة الانفجار، ويُوقَف شخصان قال مصدر أمني إنهما ينتميان إلى حزب الله.

المشهد يعيد الخوف نفسه إلى الواجهة: مواد متفجرة، نقل خارج الرقابة، وخطر يتحرك على طرق يستخدمها المدنيون كل يوم. ومن يسمح بنقل هذه الكميات على الطرق العامة لا يمكنه أن يقول إنه يحمي الناس. على العكس، هو يعيد تعريض العاصمة والجنوب والضاحية، ومعها اللبنانيون جميعاً، لخطر لا أحد يعرف أين يمكن أن ينتهي.

وهذا النمط ليس جديداً على لبنان.

فالبلاد عاشت سنوات طويلة من الاغتيالات السياسية في ظل وجود سلاح وقرار أمني خارج الدولة. اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما تبعه من تحقيقات دولية واتهامات طالت عدداً من عناصر حزب الله، فتح مرحلة دامية شهدت سلسلة من الاغتيالات التي استهدفت سياسيين وإعلاميين وناشطين.

جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، وغيرهم، أسماء بقيت محفورة في ذاكرة اللبنانيين. وفي كل مرة، كانت الجريمة تقع بعيداً عن أي قرار شرعي، ثم تُترك الدولة أمام الدم والركام والتحقيقات والمسارات القضائية المعطلة.

السلاح الموازي لم يكن مشكلة مرتبطة بالحروب وحدها. اللبنانيون عاشوا أيضاً سنوات من الخوف الداخلي، ومن تصفية الخصوم والاغتيالات السياسية، وما زالت آثار تلك المرحلة حاضرة حتى اليوم.

لهذا، يناشد اللبنانيون رئيس الجمهورية اتخاذ موقف حازم لا يحتمل المساومة في قضية ضهر البيدر.

المطلوب ليس بياناً إضافياً ولا موقفاً سياسياً عابراً. المطلوب ضمان حقيقي بألا تتكرر مأساة مرفأ بيروت، وألا يُفتح الباب مجدداً أمام تفجيرات أو اغتيالات أو عمليات تُدار بعيداً عن مؤسسات الدولة.

الناس تريد تحقيقاً واضحاً يصل إلى النهاية، وإحالات قضائية جدية، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

لأن أي تأخير، أو أي محاولة لإخضاع القضية لتسوية سياسية، تعني ببساطة أن الشاحنة المقبلة قد لا تتوقف عند حاجز، وأن الخطر قد يستمر في التحرك بين الأحياء والقرى والطرق من دون أن يعرف أحد وجهته.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا يعارض حزب الله تحقيقاً حقيقياً وشفافاً؟ ولماذا يقبل فقط بتحقيق تجريه القوات المسلحة اللبنانية؟

إذا كان الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فلا سبب للخوف من تحقيق مستقل وشفاف يصل إلى كل المتورطين، ولا يتوقف عند السائق أو المنفذ، بل يذهب إلى من حرّك الشحنة، ومن أمّنها، ومن غطّاها، ومن سمح لها بالتحرك وسط المدنيين.

فالتحقيق الحقيقي لا يُفصَّل على قياس أحد، ولا تحدد نتائجه مسبقاً.

وأي رفض للشفافية الكاملة يعيد إلى الأذهان ما عاشه اللبنانيون بعد انفجار المرفأ وبعد سلسلة الاغتيالات، حين تعطلت التحقيقات، وتشابكت السياسة بالقضاء، وبقيت أسئلة كثيرة من دون إجابات.

اللبنانيون لا يريدون تحقيقاً مغلقاً.

يريدون الحقيقة كاملة.

عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت قالت ذلك مراراً: لا تسوية على حساب الحقيقة، ولا طمس للتحقيق، ولا حماية لأي متورط.

واليوم، مع حادثة ضهر البيدر، يعود السؤال نفسه من جديد. كل تأخير في الملاحقة، وكل محاولة لحصر التحقيق ضمن إطار ضيق، تعني أن لبنان لم يتعلم بعد من الكارثة التي دمّرت عاصمته وقتلت وجرحت وشردت أبناءه.

والدولة التي اتخذت قراراً بحصر السلاح بيدها مطالبة اليوم بأن تثبت أن هذا القرار ليس مجرد كلام.

البداية تكون من هذه القضية: تحقيق كامل، ملاحقات فعلية، وإحالة الملف إلى الجهات القضائية المختصة، وصولاً إلى محاسبة كل من يثبت تورطه من دون استثناء أو غطاء سياسي.

هكذا تستعيد الدولة هيبتها، لا بالبيانات.

لبنان لا يحتمل كارثة جديدة.

قوته لم تكن يوماً في سلاح طائفة أو تنظيم، بل في تنوع أبنائه وقدرتهم على العيش معاً تحت سقف دولة واحدة. مسيحيون ومسلمون، سنة وشيعة ودروز، وكل مكونات هذا البلد، لا يحميهم إلا قانون واحد ومؤسسات قوية ومستقرة تعمل بشفافية، بعيداً عن أي نفوذ أو قرار خارجي.

السلاح خارج الدولة، والمتفجرات التي تتحرك على الطرق، والاغتيالات السياسية، ليست أخطاراً على فريق لبناني دون آخر. عندما تنفجر البلاد، يدفع الجميع الثمن.

لذلك، المطلوب اليوم موقف رئاسي واضح، وتحقيق لا يتوقف عند العناوين، ومحاسبة تصل إلى كل من تثبت مسؤوليته.

لبنان يحتاج إلى دولة يعرف فيها المواطن أن أمنه ليس رهينة تنظيم، وأن حياته ليست مرتبطة بشحنة قد تمر على الطريق، وأن الخلاف السياسي لا يمكن أن يتحول إلى حكم بالموت.

فإما أن تكون هناك دولة تحتكر السلاح والأمن والقرار وتحمي جميع أبنائها، أو نبقى ندور في الحلقة نفسها: مرفأ، وضهر البيدر، واغتيالات، وتحقيقات معلقة، ثم انتظار الكارثة التالية.

واللبنانيون دفعوا ما يكفي.

حان الوقت أن تكون حماية حياتهم هي الخط الأحمر الذي لا يستطيع أحد تجاوزه.