خاص- حكومة بمفاعيل مجلس بلدي؟ وأزمات أكبر من قدرتها على القرار؟
منذ 1 ساعة
حين تخصّص الحكومة جلسة كاملة لبحث ملف النفايات، فيما تتراكم أمامها الاستحقاقات السيادية والأمنية والاقتصادية، يصبح السؤال عن الأولويات مشروعاً، خصوصاً أن السلطة التنفيذية لم تثبت بعد قدرتها على تنفيذ قراراتها. فهل نحن أمام حكومة تمارس صلاحياتها الدستورية، أم مجلس بلدي كبير ينشغل بإدارة الخدمات هرباً من القرارات الكبرى؟
ليست المشكلة في أهمية معالجة النفايات، بل في توقيت الجلسة، بالتزامن مع استمرار تأجيل البت في إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، بما يثير الشكوك في أن استحضار أزمة قديمة ليس سوى وسيلة لشراء أسبوع إضافي، وتجنّب مواجهة استحقاق سياسي وأمني لا تبدو الحكومة مستعدة لتحمّل تبعاته.
فالنفايات ليست اكتشافاً جديداً. إنها المعضلة التي هزّت حكومة تمام سلام، وبقيت شبحاً يلاحق حكومة سعد الحريري، قبل أن تتراجع عن صدارة الاهتمام في الحكومات التي أعقبت انتفاضة 17 تشرين. واليوم تعود إلى مجلس الوزراء وكأنها تُطرح للمرة الأولى، وكأن سنوات الدراسات والخطط والقرارات لم تكن كافية لتحديد الحلول والمسؤوليات.
والسؤال ليس لماذا تناقش الحكومة النفايات، بل ماذا تستطيع أن تنفّذ مما ستقرره؟ فالجدية لا تُقاس بعدد الجلسات، وإنما بالقدرة على تحويل القرارات إلى أفعال.
يكفي النظر إلى ملف الكهرباء. فالحكومة عجزت عن إلزام المؤسسات العامة بتسديد فواتير استهلاكها، ولم تتحرك إلا بعد تلويح مؤسسة كهرباء لبنان بقطع التيار عنها. واقتصر التدخل على تعميم لرئيس الحكومة لم يحلّ المعضلة، ما دفع المؤسسة إلى تصعيد تحذيرها والانتقال نحو التنفيذ بعد التشاور مع الوزير المعني.
وفي الاتصالات، يكشف إضراب العاملين في أوجيرو، احتجاجاً على تطبيق قانون الاتصالات من دون الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بالتعويضات، وجهاً آخر للعجز الحكومي. قوانين وقرارات تصطدم بالاعتراضات والمصالح، فيما تغيب القدرة على إيجاد تسويات تضمن حقوق العاملين واستمرارية المرفق العام.
تتكاثر الأزمات، ومعها التأجيل. وتتخذ الحكومة قرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، إما بفعل مقاومة الدولة العميقة، أو ضغط الشارع، أو التهديد السياسي.
لكن الأخطر يظهر عندما تنتقل المواجهة من الملفات الإدارية إلى المسائل السيادية، وخصوصاً تلك المرتبطة بحزب الله. هنا لا يعود السؤال عن كفاءة الإدارة، بل عن قدرة السلطة السياسية على ممارسة صلاحياتها وفرض احتكار الدولة الشرعي للقوة.
فهل الحكومة غير مستعدة لاستخدام اليد الحديدية للدولة، أم أن هذه اليد منفصلة عن دماغ السلطة التنفيذية، وتتحرك وفق حسابات لا تخضع لقرارها؟
ويشكّل ملف متفجرات ضهر البيدر الاختبار الأكثر حساسية. وفي هذا السياق، جاء قرار وزراء «القوات اللبنانية» عدم المشاركة في جلسة النفايات احتجاجاً على استمرار الامتناع عن البت بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، أو أقله طرح الإحالة على التصويت داخل مجلس الوزراء. وهو موقف يضع الحكومة أمام سؤال جوهري: إذا كان التوافق السياسي متعذراً، فلماذا لا يُحتكم إلى الآلية الدستورية لاتخاذ القرار؟
تكمن خطورة الإحالة في دلالاتها القانونية والسياسية. فبعد تصريحات سياسيين تنسب ملكية المتفجرات ونقلها إلى حزب الله، قد تفتح إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بحسب نتائج التحقيق والتكييف القانوني، الباب أمام البحث في جرائم تمسّ أمن الدولة والسلم الأهلي، وربما في توصيفات جرمية أشد خطورة تتعلق بالعمل ضمن جماعة منظمة.
وهذا يعني الانتقال من اعتبار الحزب قوة مسلحة خارج إطار الشرعية إلى مساءلة محتملة عن أفعال تهدد السلم الأهلي. ورغم أن الإحالة لا تشكّل بذاتها حكماً قضائياً أو تصنيفاً رسمياً للحزب، فإن مجرد فتح هذا المسار يحمل تداعيات سياسية قد لا تكون السلطة مستعدة لمواجهتها.
فهل يوجد اتفاق بين الرؤساء الثلاثة على تحمّل هذه المسؤولية، أم أن غياب التوافق يجعل إبقاء الملف في مسار التحقيقات العادية الخيار الأقل كلفة، وكأن القضية تتعلق بمخالفة ارتكبها أفراد يعملون منفردين؟
لا أحد يطالب الحكومة بإهمال النفايات أو الكهرباء أو الاتصالات. لكن إدارة الخدمات لا يمكن أن تكون بديلاً من ممارسة السلطة، ولا يجوز أن تتحول جلسات مجلس الوزراء إلى وسيلة لملء الوقت ريثما تنضج تسويات سياسية تسمح باتخاذ القرارات.
فالحكومة التي تتراجع أمام التهديدات، وتعجز عن تنفيذ قراراتها، وتنتظر التوافق السياسي لممارسة صلاحياتها، تتحول من سلطة تنفيذية إلى هيئة لإدارة التأجيل.
وعندها لا يعود السؤال لماذا تتصرف الحكومة كمجلس بلدي كبير، بل ما جدوى حكومة كاملة الصلاحيات لا تملك القدرة على استخدامها؟
فالنفايات يمكن جمعها وترحيلها، أما الملفات المتفجرة التي تُدفن تحت ركامها، فستعود يوماً لتنفجر في وجه الدولة نفسها








