مؤتمر وطني بمبادرة من «نبع» و«منارة» يدعو إلى الانتقال من الاستجابات المؤقتة إلى منظومة وطنية مستدامة لحماية الأطفال والعاملين في الصفوف الأمامية


 

في زمن تتراكم فيه آثار الحروب والنزوح والأزمات، لا تكفي حماية الإنسان من الخطر المباشر إذا تُرك وحيداً في مواجهة آثاره النفسية. فالأزمات لا تنتهي بانتهاء أحداثها، وجراحها غير المرئية قد تكون الأعمق والأطول أثراً، ولا سيما لدى الأطفال والعاملين الذين يتحملون مسؤولية حماية الآخرين ومساندتهم.

من هذه الرؤية، احتضنت مدينة صيدا المؤتمر الوطني حول «الصحة النفسية في ظل الأزمات»، الذي انعقد يوم الجمعة 30 تشرين الأول 2026، في مبنى محافظة الجنوب في السراي الحكومي، برعاية وزارة العمل، وبتنظيم مشترك من الشبكة العربية لحقوق الطفل – منارة، وجمعية عمل تنموي بلا حدود – نبع.

وجمع المؤتمر تحت سقف واحد ممثلين عن الوزارات والإدارات الرسمية والأجهزة الأمنية والعسكرية والبلديات والجامعات والنقابات والمؤسسات التربوية والصحية، إلى جانب منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والجمعيات الأهلية والاختصاصيين والباحثين والإعلاميين، في لقاء وطني هدف إلى وضع الصحة النفسية في صلب سياسات الحماية والاستجابة والتعافي.

ومثّلت وزير العمل الدكتور محمد حيدر رئيسة دائرة العمل في الجنوب الأستاذة زينة فرحات، فيما مثّل المدير العام للأمن العام العقيد علي حلاوي، رئيس دائرة لبنان الجنوبي في المديرية.

حين تصبح الصحة النفسية قضية وطنية

لم يكن المؤتمر مجرد مساحة لتبادل الخبرات والمقاربات العلمية، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لمجتمع يواجه الأزمات المتلاحقة أن يحمي أطفاله، ويدعم العاملين في الصفوف الأمامية، من دون أن يجعل الصحة النفسية جزءاً أصيلاً من منظومة الحماية الوطنية؟

وتخللت الجلسة الافتتاحية كلمات لكل من نقيبة النفسانيين في لبنان البروفيسور رجاء مكي، ومدير كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية في صيدا البروفيسور أحمد رضوان نصر الله، والعميد البروفيسور ناصيف نعمة، ومنسق مركز الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية والتعليم العالي الدكتور جورج طنوس، والإعلامية لينا الدبسي.

كما ألقى المدير التنفيذي لجمعية نبع الأستاذ ياسر داوود كلمة نيابة عن الدكتور قاسم السعد، رئيس الشبكة العربية لحقوق الطفل – منارة وجمعية نبع.

الأطفال في قلب الأزمات: حماية تتجاوز الاحتياجات المباشرة

خصصت الجلسة العلمية الأولى، التي أدارها الدكتور عباس مزهر، لمناقشة واقع الأطفال في الأزمات، انطلاقاً من أن آثار الحروب والاضطرابات لا تقتصر على الخسائر المادية وتعطّل الخدمات، بل تمتد إلى شعور الأطفال بالأمان، واستقرارهم النفسي، وعلاقاتهم الأسرية، ومساراتهم التعليمية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، تناول البروفيسور محمد جابر الآثار النفسية للأزمات على الأطفال وسبل توفير الدعم النفسي الملائم، فيما ناقش الدكتور سلطان ناصر الدين انعكاسات الأزمات على التعليم والمدرسة والمسار التربوي.

وسلطت الأستاذة رنا البزري الضوء على دور الأسرة والبيئة الاجتماعية والمنظمات في حماية الأطفال وتعزيز قدرتهم على الصمود، بينما تناولت الأستاذة ريتا بولس حقوق الطفل وآليات الحماية القانونية.

وأكدت الموضوعات المطروحة أهمية اعتماد مقاربة متكاملة لا تفصل الصحة النفسية للطفل عن حقه في التعليم والحماية والعيش في بيئة آمنة وداعمة.

من يحمي الذين يحمون الآخرين؟

أما الجلسة الثانية، التي أدارتها الدكتورة رلى فرحات، فقد وضعت العاملين في الصفوف الأمامية في صلب النقاش، باعتبار أن الاستجابة الفاعلة للأزمات لا يمكن أن تستمر من دون حماية الأشخاص الذين يتحملون أعباءها اليومية.

وتناولت الدكتورة جانين زيادة ظاهرتَي الاحتراق الوظيفي والصدمة الثانوية والضغوط النفسية، فيما ناقش الدكتور عماد سيف الدين أثر الصحة النفسية على الأداء المهني والتربوي والأكاديمي.

وقدمت الأستاذة أماني أيوبي مقاربات وتجارب لدعم العاملين في المجال الإنساني، بينما تناولت الدكتورة زينب طفيلي الحقوق والضمانات القانونية اللازمة لحماية العاملين في الصفوف الأمامية.

وأبرزت الجلسة ضرورة الانتقال من التعامل مع الضغوط النفسية باعتبارها عبئاً فردياً يتحمله العامل، إلى الاعتراف بها مسؤولية مؤسسية تستدعي الوقاية والدعم والإشراف المهني والحماية القانونية.

من التشخيص إلى الالتزام: 16 توصية لخارطة طريق وطنية

لم يتوقف المؤتمر عند تشخيص التحديات، بل اختُتم ببيان تضمّن 16 توصية موزعة على خمسة محاور استراتيجية، تشكل أساساً مقترحاً لتطوير استجابة وطنية أكثر تكاملاً واستدامة.

وشملت المحاور حماية الأطفال وصحتهم النفسية، وحماية العاملين في الصفوف الأمامية، وتعزيز التكامل الوطني والتنسيق المؤسسي، وتطوير التشريعات وضمان الحقوق والمسؤولية المهنية، وتشجيع البحث العلمي والمتابعة والتنفيذ.

ودعت التوصيات إلى إدماج الصحة النفسية في خطط حماية الطفل والطوارئ والتعافي، وتعزيز التدخل المبكر، وتمكين الأسر والمدارس من التعامل مع الآثار النفسية والاجتماعية للأزمات.

كما شددت على ضرورة توفير برامج دعم وإشراف نفسي منتظمة للعاملين في الصفوف الأمامية، والوقاية من الاحتراق الوظيفي والصدمة الثانوية، وتطوير بيئات عمل تراعي السلامة النفسية والحقوق المهنية.

وعلى المستوى الوطني، دعا المؤتمر إلى وضع إطار متكامل للدعم النفسي والاجتماعي، يضمن التنسيق بين الوزارات والمؤسسات والقطاعات المعنية، ويحدّ من تشتت المبادرات وازدواجية التدخلات.

وأكد أيضاً أهمية تطوير التشريعات وآليات الحماية والخصوصية، وتعزيز التدريب على الإسعاف النفسي الأولي والتواصل المراعي للصدمات، ودعم البحث العلمي، ووضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذ التوصيات وقياس أثرها.

رسالة من الجنوب: لا تعافٍ حقيقياً من دون كرامة نفسية

يحمل انعقاد هذا المؤتمر في الجنوب اللبناني دلالة إنسانية ووطنية خاصة؛ فالمنطقة التي عايشت تداعيات الحروب والأزمات والنزوح تدرك أن إعادة البناء لا تقاس فقط بترميم الحجر واستعادة الخدمات، بل أيضاً بقدرة الإنسان على استعادة شعوره بالأمان والثقة والانتماء والأمل.

ومن هنا، شكّل المؤتمر دعوة إلى إعادة التفكير في موقع الصحة النفسية ضمن الأولويات الوطنية، وإلى التعامل معها باعتبارها حقاً إنسانياً أصيلاً، لا خدمة ثانوية ولا تدخلاً مؤقتاً تفرضه الظروف الاستثنائية.

كما أكّد أن حماية الأطفال لا تكتمل من دون دعم أسرهم ومدارسهم ومجتمعاتهم، وأن حماية العاملين في الصفوف الأمامية ليست امتيازاً مهنياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الخدمات الإنسانية والتربوية والصحية والاجتماعية بجودة ومسؤولية.

وفي ختام أعماله، وجّه المؤتمر رسالة واضحة إلى المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والجهات الدولية والقطاعات المهنية، مفادها أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على الاعتراف بأهمية الصحة النفسية، بل يكمن في ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات وتشريعات وموارد وبرامج قابلة للتنفيذ والمساءلة والتقييم.

فالصحة النفسية ليست ترفاً يُؤجَّل إلى ما بعد الأزمات، بل شرط من شروط مواجهتها، وأساس من أسس التعافي منها.

«لا حماية مكتملة من دون حماية نفسية، ولا تعافٍ مستدام من دون رعاية متكاملة، ولا مسؤولية وطنية حقيقية ما لم تشمل الإنسان في جسده ونفسه وكرامته».