يوسف يونس


 

لا تُقاس القطيعة مع عهد رياض سلامة بتبدّل الأسماء، ولا بالبيانات التي تتحدث عن التحوّل والإصلاح. المعيار هو تغيير طريقة إدارة الخسائر، وكشف مصادر الأموال، وتحديد المسؤوليات. وفي ملف الودائع تحديداً، يبقى السؤال الذي يلاحق مصرف لبنان: ما الذي تغيّر في جوهر السياسة، إذا ظلّ المودع ينتظر استعادة أمواله عبر دفعات محدودة، فيما تُقدَّم إدارة الأزمة باعتبارها إنجازاً؟

المعلومات تتحدث عن نحو 50 مليار دولار من الأصول السائلة وغير السائلة المسجّلة في دفاتر مصرف لبنان، وتطرح في مقابلها سؤال مساهمته الفعلية في تسديد الودائع. وهذا الرقم، الذي يحتاج إلى تدقيق مستقل في مكوّناته وتقييمه، لا يعني بالضرورة وجود سيولة جاهزة بهذا الحجم، لكنه يستوجب كشفاً واضحاً: ما طبيعة هذه الموجودات؟ وما الالتزامات المقابلة لها؟ وما الذي يمكن استخدامه فعلياً في معالجة الأزمة؟

بحسب المعلومات، أبلغ مصرف لبنان جمعية المصارف، في كتاب رسمي، بأن سحوبات التعاميم خلال الفترة الأخيرة تأتي من أموال المصارف المودعة لديه. وإذا صحّ مضمون الكتاب كما نُقل، فلا يجوز تسويق تحرير هذه الأموال باعتباره منّة من المصرف المركزي. فالمودع يتلقى جزءاً من حقّه، ولا يحصل على مساعدة تُمنح له وفق مشيئة المؤسسة التي تنظّم وصوله إلى أمواله.

أما الجانب الأكثر حساسية، فيتعلّق بتقرير مشروع موازنة 2027، لجهة مساهمة فوائض جباية الرسوم والضرائب في الاستقرار النقدي وتمويل سحوبات المودعين. وإذا كانت هذه الفوائض تُستخدم بالفعل لهذا الغرض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يصبح السؤال سياسياً واجتماعياً: هل يُطلب من المواطنين تمويل معالجة خسائر لم يُكشف توزيع مسؤولياتها بصورة شفافة؟

المودع الذي يسدّد الضرائب والرسوم ثم يستعيد جزءاً محدوداً من وديعته يستحق أن يعرف إن كان يساهم من دخله الحالي في تمويل استرداد مدّخراته السابقة. والمواطن الذي لا يملك وديعة أصلاً يستحق بدوره أن يعرف حجم مساهمته، وما يقابلها من تراجع في الإنفاق والخدمات.

هنا تحديداً تكمن المقارنة مع إرث رياض سلامة: في استمرار منطق إدارة الأزمة عبر التعاميم، وتأجيل التسوية الشاملة، وتقديم المؤشرات النقدية بمعزل عن كلفتها على المجتمع. وقد تغيّرت بعض سقوف السحوبات بالفعل، بما فيها تعديلات أُعلنت في تشرين الثاني، لكن تعديل الدفعات لا يساوي إنهاء أزمة الودائع أو تغيير قواعد تحمّل الخسائر.

ولا تعفي مسؤولية الحكومة والمصارف التجارية مصرف لبنان من مسؤوليته الخاصة. عليه أن يشرح بالأرقام مساهمته، وأن ينشر حقيقة موجوداته والتزاماته وآليات التمويل، بدل ترك المودعين بين البيانات والتفسيرات المتناقضة.

من يريد إثبات الاختلاف عن عهد سلامة، عليه أن يغيّر قواعد المحاسبة والشفافية وتوزيع الأعباء. أما الاكتفاء بتغيير اللغة، مع إبقاء المواطن ممولاً محتملاً للتسوية والمودع أسير دفعاتها، فلا يصنع قطيعة مع السياسات القديمة؛ بل يمنحها واجهة جديدة.