أنطوان سلمون


"طلبت من الجيش التصدي لأي توغل إسرائيلي في الأراضي الجنوبية المحررة دفاعا عن أراضينا ومواطنينا...على لجنة مراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية الضغط على إسرائيل ودفعها إلى الالتزام بالاتفاق ووقف انتهاكاتها".

رئيس الجمهورية  اللبنانية العماد جوزاف عون في 30 تشرين الاول 2025

ليس مستغربا ان يحظى كلام رئيس الجمهورية بترحيب وارتياح اللبنانيين جميعا وخصوصا السياديين منهم والذين يرون بالجيش ملاذا وحيدا آمناً للذود عن الوطن وحمايته ارضا شعبا ومؤسسات وليس غريبا على رئيس الجمهورية طلبه من قيادة الجيش القيام بالدور المنوط اصلا وحصرا بها في حماية الحدود من الأعداء والمعتدين من الخارج وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها بقواها الشرعية دون اي وجود مسلح للخارجين عن القانون والدستور وعن شرعية حصرية حمل السلاح بيد الدولة وحدها...الترحيب نفسه لاقاه رئيس الجمهورية لدى القائه خطاب القسم بمقابل امتعاض وحنق وانزعاج عكسته وجوه مَن لم يصفق في البرلمان ومَن تجنّد من اقلام الحانقين المنزعجين ردّا على الرئيس الذي قال بوضوح ما قاله بعد اقل من عام   "...عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع بحيث اعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح. دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود ويساهم في تثبيتها جنوباً وترسيمها شرقاً وشمالاً وبحراً ويمنع التهريب ويحارب الإرهاب ويحفظ وحدة الأراضي اللبنانية ويطبق القرارات الدولية ويحترم اتفاق الهدنة ويمنع الاعتداءات الاسرائيلية على الأراضي اللبنانية، جيش لديه عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض الحروب وفقاً لأحكام الدستور...أدعو الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرّر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي  ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية..."

المستغرب اكثر ان يهلل نعيم قاسم  للطلب من الجيش القيام بالدور الذي منعه عنه حزبه لعقود اذ سبق لسلفه السيد نصرالله ان برّر منع الحزب الجيش للقيام بدوره المشروع  في الحماية والدفاع والتصدي للعدو من ارض الجنوب بقوله في ذكرى اغتيال عباس الموسوي ومن النبي شيت في 16 شباط من العام 2002، “إرسال الجيش اللبناني الى الجنوبى، مطلباً أميركياً ...من يريد أن يحمي لبنان عليه أن يحفظ المقاومة في الجنوب، ومن يريد ان يضحي بهذا الجيش فليرسله إلى الجنوب”.  
 
ليقول مبررا قبوله بالمطلب الأميركي-الاسرائيلي "مرغما لا بطلا" بعد  انتصار " لو كنت أعلم" في 9 آب 2006 "… الحقيقة أننا كنا نخاف على الجيش من خلال نشره على الحدود الدولية، لأن المسألة واضحة: أن تضع جيشاً نظامياً على الحدود الدولية مباشرة في مواجهة عدو قد يعتدي في أي لحظة من اللحظات، هو بمثابة وضع هذا الجيش في فم التنين، أو كما يقولون عندنا بالعامية في بوز المدفع...نحن في السابق كنا نعترض أو لا نوافق على نشر الجيش على الحدود، ليس شكاً في الجيش لا سمح الله، لأن هذا الجيش هو جيش وطني، ومنذ سنوات طويلة نحن نمتدحه ونمتدح عقيدته وقيادته وتركيبته…انتشار الجيش يساعد على إيجاد مخرج سياسي يؤدي إلى وقف العدوان، وهذا بالنسبة لنا وفي رأينا هو مخرج وطني مشرّف، لأن الذي سينتشر على الحدود هو الجيش الوطني وليست قوات غازية ولا قوات مرتزقة ولا قوات تعمل بإمرة الأعداء، وإنما الجيش الوطني الذي يعمل بإمرة الحكومة اللبنانية المنتخبة، بهذا المعنى، كمخرج، نحن نقبل به على الرغم من محاذيره التي ذكرتها قبل قليل”.

لم يتأخر كثيرا الحزب ليؤكد  نظرته الى الجيش اللبناني ك"قوات غازية او مرتزقة او حتى ك"قواتٍ تعمل بأمرة الاعداء" عندما تصدّى الحزب وبأمر مركزي منه لطوافة "الجيش الوطني" التي تجرأت وحلّقت فوق تلة سجد في 28 آب 2008 واطلق النار على النقيب الطيار سامر حنا فأرداه ب"تكليف شرعي" على ما ادلى "المكلّف" مصطفى المقدم امام قوس المحكمة العسكرية التي اطلقت سراحه بعد اشهر قليلة...ليحمّل العماد ميشال عون قيادة الجيش والشهيد حنا المسؤولية عن الجريمة قائلا"شو طلعت تعمل طوافة الجيش فوق تلة سجد وأطالب بالتحقيق مع قيادة الجيش"

على ما تقدّم ان قيام الجيش اللبناني بمهامه على ارضه كان بالنسبة ل"الحزب" بمثابة الاتهام بخرق السيادة وتحركاته كانت ادانه للجيش بالاعتداء ويصح معها الاستغراب  "المستغرب" في التناقض الصريح لمسار الحزب ووادبياته وخطابه،الذي ابداه نعيم قاسم بقوله:"هلأ صارت تهمة إذا الجيش اللبناني بدو يدافع عن أرضو ويمنع إسرائيل تتقدّم ويعزز السيادة؟"
وكأنه ردٌّ على ما كان يكرره الحزب عن الجيش العاجز وغير القادر والمحصور دوره في الامن الداخلي وحماية التظاهرات او قمعها،كما ان استغراب قاسم كان بمثابة الرد على امينه العام  السيد حسن نصرالله في 26 أيار من العام 2007، عن أن “دخول الجيش اللبناني الى مخيم نهر البارد خط أحمر”.وفي 18 تشرين الأول من العام 2021،  “الجيش اللبناني أطلق علينا النار في جسر المطار (1993) وفي حي السلم (2004) وعلى مستديرة مار مخايل (2007  كما ان استغراب قاسم كان ردا مباشرا على ما قاله في   18 تشرين الأول من العام 2024 شيخ الحزب والناطق باسمه الشيخ صادق النابلسي الذي عبّر حقيقة عن رؤية الحزب الثابتة ل"الجيش الوطني" المتصدي للاحتلال واعتداءاته اذ يقول في 14 أيار 2024 : "الجيش ليس للبنانيين ولم يؤسس للدفاع عن لبنان بل ليدافع عن مصالح المستعمرين".

الاشد غرابة من مفاجأة حب وعشق الحزب للجيش،هو في العبارات التشاركية والتوحيدية،التي ميّزت خطاب قاسم من مثل  "أرضنا سنستعيدها بتكاتف الوطن...والحكومة هي المسؤولة اولا عن السيادة...وأن الكل في لبنان مسؤول" وكأن حزبه لم يحتكر قرار الدولة لعقود في السلم والحرب والاقتصاد والسيادة والسياسة والعلاقات الخارجية وكانه توقف عن محاولاته في اعادة عقارب هذا الاحتكار مدعيا الانتصار داعيا الى ثلاثية خشبية انكسرت وعافية وقدرات اضمحلت واندثرت،وتبريرات لسلاح غير شرعي تحت شعار "نحمي ونبني" بالواقع وبالوقائع سقطت.


المصدر : Transparency News