الإعلامية سماح الحاج


تبدأ الحروب عادةً بالشعارات الكبيرة، لكنها تنتهي في معظم الأحيان بالبحث عمّن يمدّ يد العون. وبين البداية والنهاية، تدفع الشعوب أثمانًا باهظة من أمنها واقتصادها واستقرارها، قبل أن تكتشف أن السياسة لا تُقاس بارتفاع النبرة، بل بما تحققه من نتائج وما تجنّبه من خسائر.
ولبنان يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. فمنذ عقود، لم تمرّ أزمة كبرى إلا وأعادت اللبنانيين، بطريقة أو بأخرى، إلى عمقهم العربي. وبعد كل حرب أو انهيار، كانت الأنظار تتجه مجددًا إلى الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، طلبًا للدعم السياسي والمساندة الاقتصادية وإعادة الإعمار وفتح أبواب الاستقرار.
اليوم، ومع التحولات التي تشهدها المنطقة، تبدو ملامح مرحلة جديدة وكأنها ترتسم على إيقاع مسارين مختلفين يلتقيان عند نتيجة واحدة: خبرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وخطاب الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلته مع قناة الجزيرة. وبين المسارين، تحضر المملكة العربية السعودية بوصفها نقطة التقاء عربية، وركيزة أساسية في إعادة وصل لبنان وسوريا بمحيطهما الطبيعي.
خبرة بري... حين تختصر العبارة عقودًا من السياسة
عندما قال الرئيس نبيه بري إن «من تحبه المملكة العربية السعودية يحبه العالم كله»، لم يكن يطلق، وفق ما يمكن قراءته في السياق السياسي، مجرد عبارة بروتوكولية أو مجاملة عابرة.
فالرجل الذي أمضى عقودًا في صلب الحياة السياسية اللبنانية عاصر الحروب والتسويات والانقسامات الداخلية، كما شهد على المراحل التي خرج فيها لبنان من أزماته بمساعدة عربية واضحة. لذلك يمكن النظر إلى كلامه عن المملكة باعتباره خلاصة تجربة سياسية طويلة، لا موقفًا منفصلًا عن التاريخ الذي عاشه وشارك في صنع محطاته.
بري يعرف أن التسويات اللبنانية الكبرى لم تولد في الفراغ. ويعرف أن اتفاق الطائف، الذي وضع حدًا للحرب الأهلية وأعاد تنظيم الحياة السياسية، ارتبط برعاية عربية كان للمملكة العربية السعودية فيها دور محوري. كما يعرف أن مرحلة إعادة الإعمار، وما تلاها من محاولات تثبيت الاستقرار واستعادة الثقة بلبنان، لم تكن منفصلة عن الدعم العربي والدولي الذي ساهمت المملكة في توفيره.
ومن هذه الزاوية، تحمل عبارة بري معنى يتجاوز حدود الإشادة بدولة عربية. إنها تذكير بأن علاقة لبنان بالسعودية وبمحيطه العربي ليست ترفًا دبلوماسيًا، ولا بندًا يمكن وضعه جانبًا عند احتدام الصراعات الداخلية، ثم العودة إليه بعد وقوع الكارثة.
إنها، في جوهرها، جزء من معادلة الاستقرار اللبناني.


من الطائف إلى الإعمار... الذاكرة التي لا ينبغي تجاهلها
في كل مرة دخل فيها لبنان مرحلة انهيار، عاد النقاش نفسه إلى الواجهة: من يستطيع مساعدة هذا البلد على النهوض مجددًا؟
بعد الحرب الأهلية، حضر العرب في التسوية وإعادة الإعمار. وبعد حرب تموز عام 2006، تحركت الدول العربية للمساهمة في مساعدة لبنان وترميم ما دمرته الحرب. ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي والمالي، ثم وقوع انفجار مرفأ بيروت، اتجه اللبنانيون مرة أخرى إلى المجتمعين العربي والدولي، آملين في الحصول على الدعم اللازم لإنقاذ الدولة ومؤسساتها.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في غياب من يمدّ يد المساعدة بعد الكارثة فقط، بل في أن لبنان لم ينجح في تحويل علاقته بمحيطه العربي إلى خيار استراتيجي ثابت يحميه من الوصول إلى الكارثة أصلًا.
فكم مرة دخل البلد في صراعات أكبر من قدرته، ثم عاد بعد وقوع الخسائر يبحث عن غطاء عربي أو تسوية عربية أو مساعدة عربية؟
وكم مرة جرى التعامل مع العلاقات العربية وكأنها ورقة ظرفية، بدل أن تكون جزءًا من سياسة دولة واضحة تحفظ مصالح اللبنانيين وتمنع عزل بلدهم عن محيطه؟
لهذا، لا ينبغي قراءة كلام بري عن السعودية على أنه إشادة منفصلة عن السياق، بل بوصفه تذكيرًا بخبرة لبنانية متكررة: حين يبتعد لبنان عن عمقه العربي، يخسر الكثير؛ وحين يعود إليه، تبدأ فرص التسوية والنهوض بالظهور من جديد.


خطاب الشرع للجزيرة... سوريا تبدأ من محيطها العربي
في المقابل، لا تكتمل صورة المرحلة من دون التوقف عند حديث الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلته مع قناة الجزيرة.
فالشرع لم يظهر في المقابلة متحدثًا عن سوريا بوصفها جزيرة منفصلة عن الإقليم، بل قدّم خطابًا يقوم على أولوية الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة العلاقات مع الدول العربية، والانفتاح على المحيط الإقليمي والدولي.
وهنا تكمن أهمية حضوره في هذا المقال.
فسوريا التي دفعت، مثل لبنان وإن على نطاق مختلف، أثمان سنوات طويلة من الصراع والدمار، تحتاج اليوم إلى إعادة الإعمار وإلى استعادة اقتصادها ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية. ولا يمكن لأي مشروع جدي لإعادة بناء سوريا أن يتم في ظل العزلة أو القطيعة مع الدول العربية.
إن حديث الشرع للجزيرة لا يُقرأ فقط باعتباره عرضًا لمواقف سياسية، بل بوصفه مؤشرًا إلى أن دمشق تدرك حجم التحول الذي تحتاج إليه: من إدارة الصراع إلى بناء الدولة، ومن القطيعة إلى العلاقات، ومن الخطاب المغلق إلى البحث عن شراكات عربية تساعد سوريا على استعادة موقعها الطبيعي.
وهذا لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا، أو أن التحديات الداخلية والخارجية قد انتهت. لكنه يعني أن الأولويات التي تظهر في الخطاب السوري الجديد مختلفة عن لغة المراحل السابقة، وأن العودة إلى المحيط العربي لم تعد تفصيلًا ثانويًا، بل جزءًا من معادلة الاستقرار وإعادة البناء.
بري والشرع... تجربتان مختلفتان ونتيجة واحدة
ليس المقصود وضع تجربة نبيه بري وتجربة أحمد الشرع في إطار واحد، ولا القول إن المسارين متطابقان. فلكل منهما موقعه السياسي، ولكل بلد ظروفه وتاريخه وتعقيداته.
لكن اللافت أن الرجلين يصلان، كل من زاويته، إلى حقيقة متقاربة.
خبرة بري تقول إن لبنان يعود إلى العرب بعد كل أزمة.
وخطاب الشرع يقول إن سوريا الجديدة تريد أن تبدأ من عمقها العربي.
بري يتحدث من موقع رجل عاصر عقودًا من الحروب والتسويات، ويعرف أن الاستقرار اللبناني لم يتحقق يومًا بعيدًا من التفاهم العربي. أما الشرع، فيتحدث من موقع قيادة مرحلة سورية جديدة، تدرك أن إعادة بناء الدولة تحتاج إلى علاقات عربية ودولية، وإلى الخروج من منطق العزلة والصراع المفتوح.
وبين التجربتين، تبرز حقيقة يصعب تجاوزها: لا يمكن للبنان أن يبني دولة مستقرة وهو في خصومة مع محيطه، ولا يمكن لسوريا أن تعيد إعمار نفسها بمعزل عن العرب.

السعودية... من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار
في قلب هذه الصورة، تحضر المملكة العربية السعودية.
فالمملكة لم تكن بالنسبة إلى لبنان مجرد جهة مانحة أو داعم اقتصادي في مرحلة محددة. لقد كانت شريكًا في رعاية اتفاق الطائف، ورافعة عربية أساسية في مراحل إعادة الإعمار، كما ساهمت في دعم المؤسسات اللبنانية واحتضان أعداد كبيرة من اللبنانيين العاملين على أراضيها.
وعلى مدى عقود، شكلت المملكة سوقًا وفرصة اقتصادية للبنانيين، فيما ساهمت تحويلات العاملين فيها وفي دول الخليج عمومًا في دعم عائلات لبنانية كثيرة وفي رفد الاقتصاد اللبناني.
إلا أن أهمية الدور السعودي لم تكن مالية فقط. فقد شكلت الرياض، في مراحل عديدة، عنوانًا للغطاء العربي والدولي الذي يحتاج إليه لبنان لاستعادة الثقة والاستقرار. وهذا تحديدًا ما يمنح عبارة نبيه بري أهميتها السياسية: فهي تأتي من رجل يعرف وزن السعودية في المعادلات العربية والدولية، ويعرف أن استعادة العلاقة الطبيعية معها لا تفتح بابًا اقتصاديًا فقط، بل تعيد لبنان إلى موقعه العربي.
وفي الحالة السورية، يبدو الدور السعودي حاضرًا أيضًا ضمن مسار عربي أوسع يهدف إلى احتضان سوريا، ومساعدتها على الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الدولة وإعادة البناء.
إن احتضان سوريا لا يعني منح شيك سياسي مفتوح، ولا تجاهل الأسئلة والتحديات القائمة، بل مساعدة البلد على العودة إلى محيطه العربي، وتشجيعه على بناء مؤسساته واستعادة استقراره، بما ينعكس على المنطقة بأسرها.

لبنان وسوريا... استقرار أحدهما لا ينفصل عن الآخر
ليس وجود العلمين اللبناني والسوري إلى جانب العلم السعودي في الصورة مجرد اختيار بصري. فلبنان وسوريا، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، يتأثر كل منهما بما يجري في البلد الآخر.
حين تغرق سوريا في الفوضى، لا يستطيع لبنان أن يبقى بمنأى عن التداعيات. وحين يكون لبنان ساحة صراع مفتوحة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند حدوده. ومن هنا، فإن أي احتضان عربي للبلدين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مسارين منفصلين، بل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة الاستقرار إلى المشرق العربي.
لكن الاستقرار لا يمكن أن يُفرض من الخارج وحده. فالدعم العربي يحتاج إلى دولة لبنانية قادرة على اتخاذ القرار، وإلى دولة سورية تبني مؤسساتها على قواعد واضحة. كما يحتاج إلى إرادة داخلية تضع مصلحة الناس فوق حسابات المحاور والصراعات.
الدول العربية تستطيع المساعدة، وتوفير الغطاء السياسي والفرص الاقتصادية، والمشاركة في إعادة الإعمار. لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة، ولا أن تعالج وحدها أزمات صنعتها الانقسامات الداخلية وسوء الإدارة وتغليب المصالح الخاصة.

لماذا نعود إلى العرب بعد كل حرب؟
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان لبنان سيعود إلى العرب، فقد أثبت تاريخه أنه يعود إليهم عند اشتداد الأزمات. وليس السؤال ما إذا كانت سوريا تحتاج إلى عمقها العربي، فهذا ما تكشفه حاجتها إلى إعادة الإعمار والاستثمار والاستقرار.
السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يصبح هذا العمق نقطة انطلاق للسياسات، بدل أن يكون محطة عودة بعد كل حرب؟
لماذا ينتظر لبنان وقوع الخسائر حتى يعيد اكتشاف أهمية علاقته بالدول العربية؟ ولماذا تُهدر سنوات طويلة في الصراعات، ثم تبدأ الرحلة من جديد بحثًا عن تسوية ودعم واستثمار؟
الاحتضان العربي لا ينبغي أن يكون غرفة طوارئ لا تُفتح أبوابها إلا بعد الانهيار. بل يجب أن يتحول إلى شراكة ثابتة، تقوم على احترام سيادة الدول وبناء المؤسسات وتبادل المصالح، لا على انتظار الكوارث لإعادة وصل ما انقطع.


مرحلة جديدة... بشرط أن تتغير الخيارات
المرحلة الجديدة لا ترتسم لأن نبيه بري قال عبارة عن المملكة، ولا لأن أحمد الشرع أجرى مقابلة مع الجزيرة. أهمية الحدثين تنبع من أنهما يعكسان اتجاهًا سياسيًا أوسع في المنطقة.
من جهة، هناك خبرة لبنانية طويلة تقول إن طريق التسويات والاستقرار مرّ في معظم المحطات عبر البوابة العربية. ومن جهة أخرى، هناك خطاب سوري جديد يضع إعادة بناء الدولة والعلاقات العربية ضمن أولوياته.
وبين هذا وذاك، تظهر المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أبرز أعمدة التحول الإقليمي، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي، وبما تؤديه من دور في تقريب الدول العربية من منطق التنمية والاستقرار.
لكن نجاح هذه المرحلة يبقى مرتبطًا بقدرة لبنان وسوريا على تحويل الاحتضان العربي إلى فرصة لبناء الدولة، لا إلى استراحة مؤقتة بين حربين.
فلبنان يحتاج إلى قرار وطني يحمي علاقاته العربية ويعيد الاعتبار إلى مؤسساته. وسوريا تحتاج إلى مسار سياسي ومؤسساتي يطمئن مواطنيها ومحيطها، ويحوّل خطاب الانفتاح إلى خطوات عملية.
العمق العربي... بداية الطريق لا نهايته
لقد أثبتت التجربة أن لبنان كلما اشتدت أزماته عاد إلى محيطه العربي، فيما توحي التحولات الجديدة بأن سوريا تتجه بدورها إلى إعادة بناء علاقاتها العربية.
وبين خبرة نبيه بري، التي تختصر عقودًا من التجربة اللبنانية، وخطاب أحمد الشرع للجزيرة، الذي يعكس ملامح مرحلة سورية مختلفة، تتشكل صورة إقليمية جديدة عنوانها الدولة والانفتاح والتعاون.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم اليوم: أن المنطقة، بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات، تعيد اكتشاف بوصلة الاستقرار، وأن المملكة العربية السعودية لا تزال تمثل أحد أبرز عناوين هذا التحول.
فإذا كان لبنان يعود بعد كل أزمة إلى عمقه العربي، وإذا كانت سوريا تختار اليوم إعادة وصل ما انقطع مع هذا العمق، فقد حان الوقت لكي تتوقف العلاقة العربية عن أن تكون مجرد باب للخروج من الحروب، وتصبح أساسًا يمنع وقوعها ويصنع الاستقرار منذ البداية.

إنها مرحلة ترتسم بين خبرة بري، وخطاب الشرع، واحتضان عربي تقوده المملكة نحو مشرق أكثر استقرارًا؛ لكن نجاحها يبقى مرهونًا بأن تتحول العِبر القديمة إلى خيارات سياسية جديدة.


المصدر : Transparency News