الإعلامية سماح الحاج


في الشرق الأوسط، نادراً ما تُحسم الحروب بضربة واحدة. بعضها يُدار بالصبر، وبعضها يُستنزف حتى لحظة التسوية. وبين هذين المنطقين، يقف سؤال الحرب اليوم: هل إيران قوة صلبة قادرة على الصمود، أم لاعب يتقن إدارة الاستنزاف الطويل؟

في المواجهة الدائرة اليوم في المنطقة تبدو موازين القوة واضحة في بعض جوانبها؛ فالولايات المتحدة تُعد القوة العسكرية الأكبر في العالم، وإسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً معروفاً. لكن وسط هذه المعادلة، تبقى إيران الطرف الأكثر غموضاً في هذه الحرب.

فعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية الطويلة والضغوط السياسية، والحديث المتكرر عن ضربات استهدفت برنامجها النووي، لا تزال طهران حاضرة في قلب التوازنات الإقليمية. وهذا ما أعاد طرح السؤال حول طبيعة قوتها: هل نحن أمام قوة إقليمية قادرة على الصمود، أم أمام لاعب يعتمد أساساً على إدارة الصراع عبر الاستنزاف الطويل؟

عقيدة الصبر الاستراتيجي

تشير العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أن إيران لا تعتمد في سياستها العسكرية على مبدأ الحسم السريع، بل على إدارة الصراع على المدى الطويل. هذه المقاربة تُعرف بسياسة الصبر الاستراتيجي.

تعتمد هذه العقيدة على تجنب المواجهة الشاملة المباشرة، وإدارة التصعيد تدريجياً بحيث يتحول الزمن نفسه إلى عنصر قوة في المعركة. ووفق هذا المنطق، لا يكون الهدف تحقيق انتصار سريع بقدر ما هو منع الخصم من فرض حسم واضح.

هل أخطأ العالم في تقدير إيران؟

خلال السنوات الماضية، اعتبر بعض المراقبين أن إيران قد تتحول في أي مواجهة كبرى إلى ما يشبه "النمر من ورق"، خصوصاً تحت ضغط العقوبات الاقتصادية والضربات التي استهدفت برنامجها النووي.

لكن مسار المواجهة الأخيرة أعاد فتح هذا التقدير للنقاش. فاستمرار طهران في إدارة الصراع رغم الضغوط دفع بعض المحللين إلى القول إن التقليل من قدرتها على الصمود ربما كان قراءة مبسطة لمعادلة أكثر تعقيداً.

فالقوة الإيرانية لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية التقليدية، بل أيضاً بقدرتها على إدارة الصراع عبر الزمن وتوزيع الضغط على أكثر من ساحة.

لماذا نادراً ما تنتهي الحروب بكسر عظم؟

تاريخ الصراعات في الشرق الأوسط يظهر أن معظم الحروب الكبرى لم تنتهِ بانتصار ساحق لطرف واحد. ففي كثير من الأحيان انتهت المواجهات بتوازنات جديدة أو بتفاهمات أعادت ترتيب النفوذ في المنطقة.

وغالباً ما تأتي هذه التحولات نتيجة ضغوط إقليمية ودولية تتزايد عندما ترتفع كلفة الحرب على جميع الأطراف.

إلى أين يتجه الصراع؟

في ضوء هذه التجارب، تبدو فكرة كسر العظم الكامل بين القوى المتصارعة احتمالاً نادراً في صراعات المنطقة. فمعظم الحروب، مهما بلغت حدتها، انتهت في النهاية بتسويات أعادت ترتيب التوازنات والمصالح.

لكن ما يميز المواجهة الحالية هو الغموض الذي يحيط بقدرة الأطراف على فرض الحسم. فإيران تبدو مصممة على إدارة الصراع بسياسة الصبر والاستنزاف، فيما يسعى خصومها إلى منعها من تحويل الزمن إلى عنصر قوة.

وفي الشرق الأوسط، لا ينتصر دائماً من يملك القوة الأكبر… بل من يملك القدرة على الصمود أطول.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News