الدكتور قاسم السعد - باحث في حقوق الإنسان والطفل


في لبنان، لم تعد كلمة Resilience مجرّد مصطلح يُستخدم في أدبيات العمل الإنساني أو في تقارير المانحين. لقد تحوّلت إلى واقع يومي يعيشه الناس تحت وطأة الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي والخوف المستمر من المجهول.

لكن الصمود هنا لا يشبه الصورة الرومانسية التي تُقدَّم أحيانًا عن “القدرة اللامحدودة على التحمّل”. فليس من الطبيعي أن يعتاد الإنسان على النزوح، أو أن تصبح الخسارة جزءًا يوميًا من حياته. وليس من العدل أيضًا أن يُطلب من الناس أن يصمدوا إلى ما لا نهاية فيما تتراجع الحماية وتتقلّص الموارد وتغيب الحلول السياسية.

في مراكز الإيواء، وبين المجتمعات المتضررة، يظهر معنى الصمود الحقيقي بعيدًا عن الشعارات. يظهر في الأم التي تحاول أن تخفي خوفها كي يشعر أطفالها بالأمان، وفي الطفل الذي يتمسّك بحقيبته المدرسية كأنها آخر ما يربطه بحياته الطبيعية، وفي المسنّ الذي فقد منزله لكنه لا يزال يحاول الحفاظ على تفاصيل صغيرة تمنحه إحساسًا بالكرامة.

في أزمنة الأزمات، تتغيّر معاني الأشياء البسيطة. يصبح الماء أكثر من حاجة أساسية؛ يصبح شعورًا بالأمان. وتتحول البطانية إلى مساحة حماية مؤقتة من هشاشة العالم. أما المدرسة، فلا تعود مجرد مكان للتعليم، بل تتحول إلى مساحة نفسية واجتماعية تحمي الأطفال من الانهيار والخوف والعزلة.

ولهذا، فإن الاستجابة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في توزيع المساعدات فقط. فالحماية، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعليم، وخلق المساحات الآمنة، كلها ليست خدمات ثانوية، بل جزء أساسي من حماية الإنسان وكرامته. فالناس لا يحتاجون فقط إلى ما يبقيهم أحياء، بل إلى ما يساعدهم على البقاء بشرًا وسط هذا الكم من القسوة.

وفي لبنان اليوم، لا يقتصر الصمود على الأفراد وحدهم، بل يمتد إلى المجتمعات المحلية والمؤسسات الإنسانية المحلية التي تواصل العمل رغم الضغوط الهائلة. هناك متطوعون وعاملون إنسانيون يعيشون القلق ذاته الذي تعيشه المجتمعات المتضررة، ومع ذلك يواصلون الاستجابة، ويحاولون سدّ فجوات كبيرة بإمكانات محدودة. هؤلاء لا يعملون فقط على إيصال المساعدة، بل على حماية ما تبقّى من التماسك الاجتماعي والإنساني.

لكن ثمة خطورة حقيقية في الطريقة التي يُستخدم بها مفهوم “الصمود” أحيانًا. فعندما يتحوّل إلى بديل عن العدالة الاجتماعية أو إلى مبرر لخفض التمويل وتقليص المسؤوليات الدولية، يصبح المصطلح قاسيًا بدل أن يكون داعمًا. فلا يمكن مطالبة الناس بالتكيّف المستمر مع الأزمات من دون العمل على معالجة أسبابها السياسية والاقتصادية والإنسانية.

الصمود الحقيقي لا يعني أن الناس لا يتعبون أو لا ينكسرون. بل يعني أنهم، رغم كل شيء، ما زالوا يحاولون حماية إنسانيتهم. ما زالوا يحاولون الحفاظ على قدرتهم على التضامن، وعلى رعاية أطفالهم، وعلى خلق لحظات حياة وسط مشهد مليء بالخوف والخسارة.

وربما هنا يكمن المعنى الأعمق للصمود في لبنان اليوم: ليس في قدرة الناس على احتمال الألم فقط، بل في إصرارهم على التمسك بالكرامة الإنسانية، حتى في أكثر اللحظات هشاشة.


المصدر : Transparency News