حين دخل نوّاف سلام السراي الحكومي، دخل معه جيلٌ من الشيعة المعارضين. أكاديميّون وكتّاب وناشطون أمضوا سنوات يقولون إنّ الطائفة أكبر من «الثنائي»، وإنّ الدولة قادرة على أن تكون بيتًا للشيعة بدل الدويلة. كان ذلك وعدًا كبيرًا. وكان رهانًا على أنّ القرب من رئيس الحكومة سيُترجَم في المكان الوحيد الذي تُقاس فيه السياسة اللبنانية فعلًا: التعيينات والمال.


بعد أشهر، جاءت النتيجة. ولم تكن خسارة… بل هزيمة مدوّية.

الجامعة أوّلًا

في 8 تشرين الأوّل، أعاد مجلس الوزراء تعيين بسام بدران رئيسًا للجامعة اللبنانية لخمس سنوات جديدة. مرّ التعيين بـ«التوافق السياسي»، أي بالاسم الحركيّ للمحاصصة، رغم تحفّظ وزيرة التربية ريما كرامي ووزير العدل عادل نصّار، ورغم كلّ الجدل القانوني بعد قرار المجلس الدستوري، ورغم أنّ بدران كان عمليًّا يختار المرشّحين ويرشّح نفسه، في غياب مجلس الجامعة.

أكبر مؤسّسة تربوية رسمية في لبنان، وأكثر مؤسّسة يمرّ عبرها شباب الطائفة، بقيت حيث هي: في عهدة عين التينة.

ثمّ النبطية

في 15 تشرين الأوّل، عيّن مجلس الوزراء محمد هزيمة محافظًا للنبطية. والتعيين، بحسب ما نشرته «المدن»، حُسم في لقاء بين الرئيس نبيه برّي والرئيس سلام، أبلغ فيه رئيس المجلس ضيفه أنّ القرار استقرّ على هذا الاسم. أمّا المنافسة الحقيقية فلم تكن بين «الدولة» و«الثنائي»، بل داخل حركة «أمل» نفسها، بين أجنحتها ونوّابها ومستشاريها.

محافظة النبطية، قلب الجنوب الشيعي ومدينة المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة، أُعطيت بالكامل لمن كان يُفترض أنّ السراي جاء ليقلّص نفوذه.

ثمّ الأجهزة

وبين التعيينين، دخل مئات الشبّان الشيعة إلى الأجهزة الأمنية عبر القنوات نفسها التي تعمل منذ ثلاثين عامًا. لم يسأل أحد عن المعارضين الشيعة، ولا عن «الكفاءات المستقلّة»، ولا عن «الجيل الجديد». مرّ كل شيء من تحت أنوف من يجلسون في الغرفة المجاورة لمكتب رئيس الحكومة.

ثمّ المال

67 مليون دولار نُقلت من الاحتياطي في موازنة 2026 إلى «مجلس الجنوب»، المؤسّسة التي تحوّلت منذ عقود إلى خزنة سياسية لحركة «أمل». نوّاب «الثنائي» لوّحوا برفض الموازنة إن لم تُقرّ اعتمادات الإعمار… فأُقرّت.

ثمّ، قبل يومين، في 13 تشرين الأوّل، استقبل الرئيس سلام في السراي وفدًا من نوّاب «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة»: علي حسن خليل، هاني قبيسي، قبلان قبلان، محمد خواجة، أمين شرّي، علي عمّار وحسن عزّ الدين. خرج الخبر: نحو 70 مليون دولار من مشاريع الإعمار ستُلزَّم في الجنوب قبل نهاية العام.

الأمر لا يتعلّق بحقّ الجنوبيين في الإعمار. هذا حقّ لا نقاش فيه. الأمر يتعلّق بمن يقف في الصورة. ففي اليوم نفسه تقريبًا الذي كان فيه القضاء يحقّق في متفجّرات ضهر البيدر، كان نوّاب الحزب الذي يتّهم الحكومة بخدمة إسرائيل يجلسون في السراي، ويخرجون إلى بيئتهم بصورة من «جاء بالإعمار».

أكثر من 130 مليون دولار، إذا جمعنا الرقمين، ستمرّ عمليًّا في الجنوب عبر صورة «الثنائي» ومؤسّساته وشبكاته. وأمام هذا كلّه، لم يكن لـ«شيعة السراي» أيّ كلمة.

شهود الزور

هنا تبدأ الحكاية الأكثر إيلامًا.

علي مراد، الذي عيّنه سلام مستشارًا في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني. مصطفى فحص، القريب جدًّا من رئيس الحكومة. روّاد طه، مستشاره الإعلامي، ابن النبطية نفسها التي عُيّن محافظها من عين التينة.

ثلاثة أسماء كانت تُقدَّم بوصفها الدليل على أنّ في السراي «صوتًا شيعيًّا آخر». فماذا فعلوا؟

خرجوا إلى حساباتهم على فيسبوك. كتبوا انتقادات خجولة. ملاحظة هنا عن «الآلية»، وتساؤل هناك عن «المعايير»، وعبارة عامّة عن «ضرورة الإصلاح». لا موقف. لا استقالة. لا اعتراض مسجّل. ولا حتى تسمية الأمور بأسمائها.

هذا ليس نقدًا. هذا حفظُ ماء وجه.

فمن يجلس في قلب القرار، ثمّ يكتب عن القرار كأنّه متفرّج، يتحوّل من شريك إلى شاهد. ومن يشهد على ما يعارضه، ويصمت عنه في الغرفة ثمّ يهمس به على فيسبوك، يصير شاهد زور.

المشكلة ليست في سلام

لا يحتاج هذا الكلام إلى شتم رئيس الحكومة. نوّاف سلام يدير توازنات بلدٍ خارج من حرب، تحت ضغط ميزان قوى لم يتغيّر بعد في مجلس النواب، ومع «ثنائي» ما زال يمسك بالتوقيع الشيعي في كلّ مؤسّسة. ربّما يرى في هذه التسويات ثمنًا لا بدّ منه لكي تمشي الحكومة.

لكنّ السؤال ليس له. السؤال لمن قيل إنّهم جاؤوا ليغيّروا هذا الميزان من الداخل.

إذا كان المعارض الشيعي، حين يصل إلى السراي، عاجزًا عن منع تعيين واحد، أو تعديل اسم واحد، أو حتى رفع الصوت مرّة واحدة… فما الفرق بينه وبين من بقي خارج السلطة؟

الفرق الوحيد أنّ من بقي في الخارج ما زال يملك صوته. أمّا من دخل، فقد أعطى «الثنائي» أثمن ما يمكن أن يحصل عليه: الغطاء. فكلّ تعيين يمرّ اليوم يمرّ ومعه حجّة جاهزة: «حتى الشيعة المعارضون في السراي لم يعترضوا».

"الثنائي" ينتصر... 

«الثنائي» لم يربح هذه الجولات لأنّه أقوى من الدولة. ربحها لأنّه كان يعرف ماذا يريد، وذهب ليأخذه. أمّا «شيعة السراي»، فكانوا يعرفون ماذا يرفضون… ثمّ اكتفوا بكتابته على فيسبوك.

والطائفة التي تبحث عن بديل لا تحتاج إلى بوستات خجولة. تحتاج إلى من يقول «لا» في الغرفة، لا «ربّما» على الشاشة.


المصدر : Transparency News