رسالةٌ (أكتبها بلسان جبران) معاتباً فيها من عليائه أبناءِ الأرز!
منذ 8 ساعة
جبران خليل جبران (1883 - 1931).
في الذكرى المئويةِ لكتابي «رملٌ وزَبَد»، سرتُ بينَ أطيافِ الغمامِ أطلبُ الأرضَ التي سَكَنَتْ روحي، وجِئْتُ لأفْحَصَ جِبالَ لبنانَ ووهادَهُ وشِطآنَهُ… جِئْتُ أسألُكُم عَنْ أحوالِكُم وأحلامِكُم، فما وجدتُ في الوجوهِ إلا حَيْرَةً، ولا في الأصواتِ إلا نحيباً ومَرارَة.
يا أبناءَ لُبْناني…
كمْ خَطَطْتُ على الرمالِ كَلِماتٍ مَحَوْتُها كي لا تكونَ قَيْداً لأرْواحِكُم، وكم أطلقتُ في الأثيرِ زَبَداً لِتَعْلَمُوا أنَّ الظاهِرَ يزولُ والأصلَ يبقى. واليومَ أعودُ لأرى: هل حَوَّلْتُمْ رَمْلَ أحلامِكُم إلى حجارةٍ في هيكلِ الحقيقة؟ أمْ لا زِلْتُمْ تَبْنُونَ قُصوراً من الزَّبَدِ على شِطآنِ الأوهام؟
ويحَكُم! ماذا فَعَلْتُمْ بِسِحْرِ الجِبالِ التي كانتْ صَوْمَعَةً لِلرِّيحِ ومَلْهَماً لِلأنْبِياء؟ كيفَ حَوَّلْتُمْ تَواضُعَ السُّهولِ الخَضِيرةِ إلى جِراحٍ تُدْمِيها الأطْماع؟
لِماذا يَلُفُّ قُراكُمُ اليومَ صَقيعُ الوَحْدَةِ ومَرارَةُ الهَجْران، حتّى غَدَتْ بُيوتُ الأَجْدادِ المَرْفُوعَةُ بِالمَحَبَّةِ هياكِلَ مَهْجُورَةً تَبْكِي أَهْلَها الراحِلين؟ لِماذا اسْتَبْدَلْتُمْ شَدْوَ البَساتِينِ وَزَقْزَقَةَ العَصَافِيرِ بِصَهِيلِ الجِهالات؟
ولِماذا... يا آكِلِي الخُبْزِ بالدَّمِ... جَعَلْتُمْ مِنْ ساحاتِ الوَطَنِ التي كانَتْ مَلْتَقى الشُّعَراءِ ومَهْدَ الفَرَحِ مَسْرَحاً لِلحُرُوبِ السَّوْداء، تَتَناحَرُونَ فيهِ على الأَوْهامِ وتَذْبَحُونَ الحَقَّ على مَذَابِحِ الأنانيَّة؟
ما بالُ أحلامِكُم أضحت غريبةً عن أجسادِكُم؟ وما بالُ الغَدِ يمرُّ بِكُم كطَيْفٍ خائفٍ يتوارى خلفَ الجبال؟ ألمْ أَقُلْ لَكُم إنَّ المحبّةَ لا تُعطي إلا نفسَها، وأنّ الأملَ لا يُولدُ إلا من رحمِ الألم؟
إنّي لا ألومُكُم لِأَنِّي أَبْغَضُكُم، بلْ ألومُكُم لأنَّ الحبَّ الكبيرَ في قَلْبِي لا يحترقُ إلا بنارِ الغضبِ الصادق. أهَكَذا تَصُونُونَ الأَمانَة؟ أمْ أنَّكُمْ نَسِيتُمْ أنَّ الوَطَنَ ليسَ سِلْعَةً تُباعُ في أسْواقِ النِّزاع، بل هوَ رُوحٌ إلهِيَّةٌ إنْ أَهَنْتُمُوها سَكَنَكُمُ الفَراغ؟
لَكُمْ لُبْنَانُكُم الشاكِي المَكْلُوم، ولِيَ لُبْنَانِي الجَمِيلُ الذي لا يَمُوت…
ومعَ كلِّ هذا القَلَقِ على غَدِكُم، أقولُ لَكُم: إنَّ مَنْ يكتبُ على الرملِ قد تَمْحُو كَلِماتِهِ الأَمْواج، ولكنَّ مَنْ يَزرَعُ الأملَ في روحِ لُبنان، سَيَسْتَقْبِلُ الفَجْرَ حتّى لَوْ أَقْفَلَتِ العَتَمَةُ كلَّ الأبواب. فارْفَعُوا عُيونَكُم إلى الأرز، واجْعَلُوا مِنْ قَلَقِكُم سُلَّماً لِلنُّور، لا قَبْراً لِلأَمَل.
المصدر : Transparency News








